ترتلّيانوس
دفاع
عن التّوحيد فهرس الموضوع مقدّمة
المترجم 1- الفصول 1-10 2- الفصول
11-22 3- الفصول
23-37 4- الفصول
38-50 |
|
( أو دفاع عن التّوحيد)
مقدّمة
المترجم يعَدّ الإفريقيّ
كوِنتوس سبتيموس
فلورنس ترتلّيانوس
مؤسّس الأدب
النّصرانيّ
اللاّتينيّ
وأحد أفضل النّاثرين
وُلد حوالي 160
م بقرطاج في أسرة
وثنيّة. بعد دراسته
اشتغل بالمحاماة
في رومية ثمّ
عاد إلى قرطاج
في 195 وكتب خطابه
هذا دفاعا عن
النّصارى في
197، فكان أوّل
من كتب في هذا
النّوع باللاّتينيّة
إذ كتب سابقوه
كأرستيدس ويستينوس
وأثيناغوراس
وأوريجينس أو
تاتيانس باليونانيّة.
عُرف بتشدّده
مثلا في موقفه
من المسرح والفنون
والحجاب وزواج
الأرامل والصّوم
وقدرة القسّ
على غفران الذّنب
باسم المسيح،
ممّا جعله ينضمّ
لاحقا إلى فرقة
المُنتانيّين
ثمّ ينشقّ عنها مؤسّسا فرقة
بدّعتها الكنيسة
الكاثوليكيّة. ومن المفارقات
أنّه أوّل
من قدّم أساسا
نظريّا لسلطة
الكنيسة في تأويل
الكتاب المقدّس
والتّبديع. توفّي
220-225 م. وقد رأينا
ترجمة المنافحة لأسباب منها:
1- قيمتها
بالنّسبة لدراسة
التّاريخ الدّينيّ
والاجتماعيّ
لإفريقية والامبراطوريّة
الرّومانيّة.
2- قيمتها
الأدبيّة، فترتلّيانوس
معلَم بارز
يندرج ضمن عدّة
كتّاب أفارقة
لعبوا دورا هامّا
في الدّفاع عن
النّصرانيّة
كفيلكس معاصره وأرنوبيوس
وكبريانوس وأغسطينوس لاحقا. وهو
ينفرد بينهم
بحدّة وقوّة
ردّه،
فحماسه يختلف
مثلا عن دفاع
فليكس المصوغ
في شكل حوار مهذّب،
وحججه تختلف
عن الّتي نجدها
في منافحة أثيناغوراس مثلا في
قوّة صياغتها
أكثر ممّا تختلف
في المضمون، وبعكس أوريجينس
مثلا يرفض الحضارة
اليونانيّة
الرّومانيّة
وإرثها الثّقافيّ
جملة وتفصيلا
مع سعة إلمامه
بهما ويشبه
في ذلك تاتيانوس، وهو في أسلوبه
يعتمد على وقع
صيغه الخطابيّة
وتعابيره المفاجئة
أكثر من قوّة
المنطق. 3- أنّ
المسلمين في
إطار الحوار
مع النّصرانيّة
بحاجة إلى معرفة
المزيد عنها
وعن تاريخها
وأدبيّاتها،
والدّيانتان
رغم اختلافهما
العقائدي خرجتا
من مشكاة واحدة
وترفعان قيما
متشابهة أو متقاربة.
4- أنّ الاضطهاد
الّذي عانى منه
النّصارى في
الامبراطوريّة
الرّومانيّة
طيلة 3 قرون، لكن بصفة غير منتظمة، يشبه
في مبرّراته ( الإجرام،
عدم الاندماج،
عدم الجدوى الاقتصاديّة،
رفض قيم المجتمع
الرّومانيّ)
إلى حدّ ما اضطهاد المسلمين
اليوم في ظلّ
النّظام العالميّ
الجديد. 5- أنّ في الأدب
العربيّ رافدا
نصرانيّا مهمّا
منذ الجاهليّة
حتّى إن كان جلّ
شعر الجاهليّين
النّصرانيّ
منحولا. يتوجّه
ترتلّيانوس
في منافحته إلى ولاة الأقاليم
الرّومانيّة
فيدعوهم إلى
إعادة النّظر
في قضيّة النّصارى
نافيا وجود أساس قانونيّ
لاضطهادهم. ثمّ
يردّ على التّهم
الموجّهة إليهم،
سواء الفرى عن
ممارسات خفيّة
كالضّحايا البشريّة
وزنا المحارم،
أو امتناعهم
جهرا عن المشاركة
في عبادة الآلهة
الوثنيّة والامبراطور،
منتقدا بعنف
دين الرّومان
ومؤكّدا ولاء
النّصارى للامبراطوريّة
واندماجهم في
نسيجها الاقتصاديّ
والاجتماعيّ.
أخيرا يؤكّد
اختلاف النّصرانيّة
عن الفرق الفلسفيّة
ومصدرها الإلهيّ
مشيدا بروح التّضحية
عندهم ومندّدا
بغوغائيّة السّاسة. من كلماته
الشّهيرة: "النّفس
بالفطرة على
دين التّوحيد"،
"بذر هو دم النّصارى"،
"النّاس لا يولدون،
بل يصيرون نصارى"،
"انظر كيف يحبّ
بعضهم بعضا".
وقد
وضعنا بين قوسين
المقاطع الّتي
لم ترد في كلّ
النّسخ، وعلامة
* على بعض الأسماء
والمقاطع الّتي
علّقنا عليها
في آخر الكتاب،
كما ألحقنا ملخّصا
لمنافحته لتمكين
القارئ من متابعة
تسلسلها. ونرجو
أن نكون وُفّقنا
في التّرجمة
والله وليّ التّوفيق.
عمّار الجلاصي،
3/3/2001 |
|
دفاع عن التّوحيد 1 الدّعوة إلى إعادة النّظر في قضيّة النّصارىإن لم يسعْكم يا ولاة الامبراطوريّة الرّومانيّة النّظر علانية من علاء منزلتكم المرموقة على رأس الدّولة في قضيّة النّصارى والتّحقيق حولها أمام الجميع، إن كانت سلطتكم توْجل أو تخْجل من التّحرّي علنا وبتبصّر العدالة حول هذه القضيّة دون سواها، أخيرا وكما تمّ مؤخّرا إن كمّم اضطهاد هذه الملّة المشطّ فم الدّفاع في بعض المحاكمات المحلّيّة*، فاسمحوا على الأقلّ بأن تصل الحقيقة إلى مسامعكم من خلال رسالة خرساء لا ترافقها أيّة ضجّة. ليس لها ما ترتجي بخصوص قضيّتها فهي لا تعجَب من وضعها وتعلم أنّها تسير كغريبة في الدّنيا* ولا غرو أن تجد بين الغرباء أعداء، لكنّ لها في السّماوات أهلها ووطنها ورجاءها وحظوتها ومجدها؛ في انتظار ذلك لها رغبة واحدة: ألاّ تدان جهلا. فأيّ ضير على القوانين، ولها السّلطان المطلق في مجالها، من الاستماع إليها؟ أيزداد سلطانها حين تدين الحقيقة بدون سماعها؟ وإلاّ إن تدنها بدون سماعها فإذّاك ستستحقّ فضلا عن طابع الجور البغيض أن يُرتاب في تحيّزها لرفضها سماع ما لا تستطيع إدانته لو سمعته. نضع إذن نصب أعينكم هذا السّبب الأوّل لما في الكراهية تجاه اسم النّصارى من ظلم. والذّريعة نفسها، الّتي تبدو تبريرا لهذا الظّلم، وهي الجهل طبعا، تضاعفه وتدحضه؛ وهل أظلم من أن يكره النّاس ما يجهلون، حتّى لو استحقّ الكراهية فعلا؟ فإنّما تحقّ الكراهية متى عُلم أنّها تحقّ. أمّا في غياب العلم باستحقاقها، فبم يُستدلّ على عدل الكراهية الّذي يجب إثباته لا من الأمر الواقع، بل بالاقتناع الباطن؟ فعلا، إن كره النّاس لجهلهم بحقيقة ما يكرهون، ألا يمكن أن يكون ما يكرهون بهذا النّحو تحديدا ما يجب ألاّ يكرهوا؟ هكذا نبيّن بطلان كلا الموقفين انطلاقا من الآخر: أنّهم يجهلون في كرههم، ويكرهون ظلما في جهلهم. دليل جهلهم الّذي وإن فسّر ظلمهم يدينه أنّ كلّ من كانوا يكرهون سابقا لجهلهم بحقيقة ما يكرهون يكفّون عن كرههم فور زوال جهلهم؛ فهم يتحوّلون إلى نصارى عن اقتناع، ويكرهون مذّاك ما كانوا قبل تحوّلهم إليها، ويجاهرون بما كانوا يكرهون؛ وإنّهم ليدخلون في هذا الدّين بالأعداد الّتي يشيعها غيرهم. تتعالى الأصوات بأنّهم اندسّوا في المدينة، بأنّ النّصارى في الحقول والقرى المحصّنة والجزر، وترتفع الشّكاوى من دخول النّاس في هذا الدّين أفواجا من كلّ جنس وعمر وفئة بل وكلّ منزلة، كما لو كان ذلك ضررا فادحا. لكن لا يخطر ببالهم افتراض خير خفيّ فيه، لا يمكنهم تصوّره بنحو أقوم ولا يعجبهم تجريبه عن كثب. هنا فقط يثّاقل فضولهم الإنسانيّ؛ يحبّذون الجهل بينما يسعد غيرهم بالمعرفة؛ ولكم كان أناخرسيس* سيشنّع أكثر على هؤلاء الجاهلين الّذين يحكمون على العارفين، < كمن ينتقدون أهل الفنّ وهم يجهلونه>. يؤثرون الجهل، لكراهيتهم المسبقة؛ هكذا يحكمون مسبقا على ما يجهلون بأنّه بالصّورة الّتي يظنّون، ولو عرفوه لما أمكن أن يكرهوه، بينما الأوْلى بلا شكّ إن لم يُكتشف مسوّغ للكراهية، الكفّ فورا عن كراهية لا موجب لها. وإن اتّضح أنّ لها مبرّرا فلا داعي إذّاك لتخفيفها، بل فوق ذلك، يدعو شرف العدل نفسه إلى الاستمرار عليها. لكن قد يقال: "ليس أمر ما خيرا لمجرّد اجتذابه كثيرين: فكم من النّاس يغويهم الشّرّ < وكم منهم يستهويهم الضّلال! من ينكر ذلك؟> لكنّ ما هو شرّ حقّا لا يجرؤ المنجرّون إليه على الدّفاع عنه كخير. فقد ألقت الطّبيعة على كلّ شرّ ستارا من الخوف أو الخجل. لذا يرغب الأشرار في الاختفاء، ويتجنّبون الظّهور، ويضطربون إذا قُبض عليهم، وينكرون ما يُتّهمون به، وحتّى تحت التّعذيب لا يقرّون بسهولة ولا في كلّ الأحوال، ويأسفون بالتّأكيد عند إدانتهم: يقرّون في خفايا سرائرهم بأنّهم دُفعوا بشرّ أنفسهم ويعزون للقدر والبروج خطاياهم ولا يريدون الإقرار بأنّ ما يعلمونه شرّا هو من عند أنفسهم. فهل من شبه للنّصرانيّ بذلك؟ لا أحد يخجل أو يندم على شيء سوى أنّه لم يكن كذلك في وقت أبكر؛ إن أشير إليه افتخر وإن اتُّهم ما أنكر وإن استُجوب، بل ومن تلقاء نفسه، أقرّ وإن أدين شكر. فأيّ شرّ هذا الّذي لا يقترن بسمات الشّرّ المعتادة، من خوف وخجل وتنصّل وندم وحسرة؟ ماذا؟ أشرّ هذا الّذي يسعد المتّهم به؟ الّذي تهمته مُنية وعقابه نعمة؟ لا يجوز أن تصِم بالجنون ما ثبت أنّك تجهله. 2 انتفاء الأسس القانونيّة للأحكام الصّادرة ضدّهم ثمّ إن ثبت لديكم أنّنا شرّ المجرمين فلِم تعاملوننا بخلاف ما تعاملون أمثالنا، أعني المجرمين الآخرين، بينما يُفترض أن تلقى نفس الجريمة نفس المعاملة. إذا اتُّهم الآخرون بما نُتّهم به، يمكنهم، بأنفسهم أو بتوكيل غيرهم، إثبات براءتهم، يُمنحون حقّ الرّدّ ليجادلوا عن أنفسهم، إذ لا يجوز إطلاقا أن يدان متّهمون دون الدّفاع عنهم وسماع أقوالهم. النّصارى وحدهم يُمنعون كلّيّا من قول ما يبرّئهم ويعلي الحقّ ويقي القاضيَ مزلّة الظّلم، يُنتظر منهم فقط ما يكفل تأجيج الحقد العامّ: الاعتراف بالاسم لا إيضاح الجرم. والحال أنّكم، إن خُبّرتم عن مجرم ما لا يكفيكم اعترافه بالجرم، قتلا كان أو تعدّيا على الحرمات أو زنا بالمحارم أو خيانة للوطن– لأقتصرَ على ما يُنسب إلينا- لإصدار الحكم، بل تفحصون الملابسات وطبيعة الفعل والعدد والزّمان والكيف والمكان والشّهود والشّركاء. أمّا عنّا، فلا شيء من هذا، بل المطلوب انتزاع اعترافنا بما يشاع عنّا باطلا: كم من ذبائح الأطفال ذاق كلّ منّا، وكم من جرائم الزّنا بالمحارم ارتكب تحت جنح الظّلام، وهل شهد جرمه طهاة أو كلاب؛ ولعمري أيّ مجد لحاكم يفضح واحدا منّا التهم مائة طفل! بل نجد التّحقيق ممنوعا أصلا في حالتنا؛ فعلا لمّا كان بلينيوس سيكندوس* يحكم إقليما، بعد إعدام عدد من النّصارى وتجريد آخرين من مراتبهم، استشار وقد أعيته الحيلة بشأن كثرتهم ترايانوس* الامبراطور يومذاك عمّا يفعل معهم والحال تلك، شارحا له أنّه فيما عدا إصرارهم على رفض تقديم القرابين، لم يجد بشأن عباداتهم سوى اجتماعاتهم في الأسحار لترتيل أناشيد تمجّد المسيح كإله والتزامهم الجماعيّ بنظام يحرّم قتل النّفس والزّنا وإيذاء الغير والخيانة وكلّ المنكرات. إذّاك ردّ ترايانوس* ينهاه قطعيّا عن تتبّع جماعتهم ويأمره في نفس الوقت إن أُحضروا إليه بمعاقبتهم*. فيا له من حكم شوّشته ضرورة غريبة: ينهى عن متابعتهم باعتبارهم غير مذنبين ويأمر بمعاقبتهم بصفتهم مجرمين. يتسامح ويشطّ في العقاب، يتغاضى ويحذّر! لِم تعرّض نفسك للمحاسبة؟ إن تُدن فلِم لا تحقّق في نفس الوقت؟ إن ترفض التّقصّي، فلم لا تغفر كذلك؟ هناك لملاحقة اللّصوص كتيبة معيّنة بالقرعة في كلّ إقليم، وكلّ فرد مجنّد لتتبّع الأعداء العموميّين والخونة، بل يطال التّحقيق شركاءهم والشّهود المتستّرين عليهم. عن النّصرانيّ وحده لا يجوز التّحقيق، لكن يجوز تقديمه للقضاء كما لو جُعل التّحقيق لهدف آخر سوى تقديم المشتبه فيهم للمحاكمة. هكذا تدينون من أحيل إليكم ولم يطلبه أحد للعدالة، وهو كما يبدو لي لم يستحقّ العقاب لأنّه مجرم بل لأنّه قُبض عليه دون أن يكون مطلوبا للعدالة. لكنّكم تتصرّفون إزاءنا خلافا للإجراءات القضائيّة في هذا أيضا: أنّكم تستخدمون التّعذيب مع الآخرين ليقرّوا بما ينكرون، ومع النّصارى وحدهم لينكروا، بينما المفروض، إن وُجد جرم، أن ننكر وتكرهونا بالتّعذيب على الإقرار. ولا ترون من داع للتّحقيق حول الجرائم بالاستجواب، بدعوى اقتناعكم، من مجرّد الاسم، أنّهم ارتكبوها، بينما لا تألون جهدا في حالة اعتراف قاتل بجرمه، ومع علمكم بطبيعة الجريمة، حتّى تنتزعوا منه تفاصيلها بالتّرتيب. والأدهى أنّكم وإن نسبتم لنا تلك الجرائم من مجرّد إقرارنا بالاسم، تحاولون ردّنا عنه بالتّعذيب حتّى ننفي بإنكار الاسم الجرائم المنسوبة إلينا بناء على اعترافنا به. لكن لا إخالكم تريدون أن نهلك مع ظنّكم بأنّا شرّ النّاس، فقد اعتدتم أن تقولوا للقاتل: "أنكرْ" وتأمروا بتقطيع أوصال منتهك الحرمات إن تمسّك بالإقرار؛ إن لم تعاملونا نفس المعاملة، فذلك أنّكم تقرّون ضمنيّا ببراءتنا إذ لا تريدون أن نتمسّك نحن الأبرياء بديننا وأنتم تعلمون أنّكم تنزلون عليه العقاب لا بمقتضى العدل بل لضرورات السّياسة*. يعترف الواحد منّا: "أنا نصرانيّ"؛ يعلن عمّا هو، وتريد أن تسمع منه ما ليس هو؛ أنتم الموكول إليكم إظهار الحقيقة تجتهدون لسماع الكذب منّا نحن فقط؛ يقول: "أقرّ بأنّي كما سألتَ، فلِم تلوي أطرافي خلافا لكلّ الأعراف؟ أعترف وتعذّبني: ماذا ستفعل إذن لو أنكرتُ؟" لمّا ينفي الآخرون بإصرار لا تصدّقونهم بسهولة، أمّا نحن فحالما ننكر تصدّقوننا. هذا الانحراف حريّ بأن يريبكم بوجود قوّة تعمل في الخفاء تدفعكم إلى التّصرّف بما يخالف الأصول، وطبيعة الحكم، بل والقوانين نفسها: فهي، إن لم أخطئ التّقدير، تأمر بالكشف عن المجرمين لا بإخفائهم، وتدعو إلى إدانة المعترفين بالجريمة لا الصّفح عنهم. ذاك ما توضّحه توصيات مجلس الشّيوخ*، ومراسيم الأباطرة؛ هذه الدّولة الّتي أنتم خدّامها سلطة مدنيّة لا استبداديّة. عند الطّغاة يسلّط التّعذيب فعلا كعقاب، أمّا عندكم فيخفَّف إلى وسيلة استنطاق فقط. فالتزموا بالقانون الّذي يقرّ التّعذيب حتّى حصول الاعتراف، وإن استُبق بالإقرار فلا داعي له، بل يجب إذّاك إفساح المجال لإصدار الحكم، ولا بدّ عندئذ من توقيع العقاب على الجاني كما يستحقّ لا إعفاؤه منه. إذ لا أحد يرغب في العفو عنه ولا يجوز أن يريد أحد ذلك؛ لذا لا يُكره أحد على الإنكار؛ تتّهم النّصرانيّ بكلّ الجرائم، بأنّه عدوّ الآلهة، والأباطرة، والقوانين، والأعراف، والطّبيعة بكاملها، وتكرهه على الإنكار لتغفر له ما لا تستطيع غفرانه له إن لم ينكر. أنت تتلاعب بالقوانين: تريد إذن أن ينكر ذنبه لتبرّئه، وتزيل بدون رضاه كلّ شبهة تتعلّق بماضيه؛ من أين أتى هذا الانحراف، ألاّ تعتبروه في اعترافه التّلقائيّ أجدر بالتّصديق ممّا هو في إنكاره القسريّ؟ أليس المجبر على الإنكار مرائيا في إنكاره ولا يلبث بعد عفو المحكمة رأسا أن يرتدّ نصرانيّا ضاحكا على عدائكم. وعليه ما دمتم تتّخذون إزاءنا في كلّ شيء إجراءات تخالف ما تعاملون به المجرمين الآخرين جاعلين كلّ همّكم تجريدنا من اسمنا، وسنتجرّد منه فعلا لو صنعنا ما يصنع غيرنا، يمكن أن تدركوا أنّ القضيّة لا تتعلّق هنا بجرم بل باسم تلاحقه باضطهادها قوّة مؤثّرة حاقدة هدفها أن يرفض النّاس أن يعلموا يقينا ما يعلمون يقينا أنّهم يجهلون. لذا يظنّون بنا أمورا لم تثبت أبدا، ويرفضون تقصّي الحقيقة مخافة أن يتبيّن بطلان ما آثروا تصديقه ليُدينوا ذلك الاسم الّذي تبغضه تلك القوّة المناوئة بناء على جرائم مفترضة غير مثبتة من مجرّد الإقرار به؛ نعذََّب إن أقررنا ونعاقَب إن أصررنا ويُصفح عنّا إن أنكرنا فإنّما على الاسم شُنّت الحرب. في نهاية الأمر لِم تدعون الواحد منّا بناء على لائحتكم بصفته نصرانيّا؟ لم لا تدعونه كذلك بصفته قاتلا؟ أو زانيا بالمحارم أو غير ذلك ممّا تظنّون بنا؟ بشأننا نحن فقط تُخجل أو تزعج تسمية الجرائم ذاتها عند الحكم. إن لم يكن اسم النّصرانيّ اسم أيّ جرم محدّد فمن الخطل حقّا أن ينحصر الجرم في اسمه. 3- تعود تلك الأحكام إلى كراهيتهم بناء على أفكار مسبقة ماذا؟ يبلغ بجلّ النّاس بغضهم الأعمى لهذا الاسم أنّهم حتّى وهم يدلون بشهادة لأحد بالخير، يشوبونها بالطّعن في اسمنا؛ يقول هذا: "أكرمْ بقيّوس سيّوس رجلا فاضلا، إلاّ أنّه مسيحيّ"؛ ويقول ذاك: "أكبرْ بلوقيوس تيتيوس رجلا حكيما لولا تحوّله فجأة إلى المسيحيّة"؛ ولا يتبادر لذهن أحد أنّ قيّوس فاضل ولوقيوس حكيم بالتّحديد لأنّه مسيحيّ، أو هو مسيحيّ بالتّحديد لأنّه حكيم وفاضل. يمدحون ما يعلمون ويشتمون ما يجهلون ويحاربون ما يعلمون بسبب ما يجهلون، والحال أنّ توسّم الخفيّ من الجليّ أحقّ من إدانة الجليّ مسبقا بناء على الخفيّ. وآخرون يستقبحون في من عرفوهم في الماضي قبل حمل هذا الاسم لئاما متقلّبين أخسّة ما يمدحون؛ "أيّة امرأة عابثة لعوب! وأيّ فتى لاه طروب! صارا نصارى"؛ هكذا أُعطي هذا الاسم عنوانا لعمليّة إصلاحهما. كثيرون أيضا من قايضوا مصالحهم وراحتهم بهذه الكراهية راضين بالأذى ما دام لا يوجد ببيتهم ما يكرهون؛ الزّوجة بعدما صارت عفيفة طلّقها زوجها الّذي لم يعد هناك ما يدعوه إلى الغيرة، والابن بعدما غدا برّا مطيعا حرمه من الميراث أبوه الّذي كان أمس صبورا، والعبد الّذي بات أمينا أبعده عن ناظريه سيّده الّذي كان أمس غفورا؛ كلّما أُصلح أحد بهذا الدّين سيء مَن حوله بصلاحه: فلا صلاح يوازن بغض النّصارى! إن بلغ بغض الاسم هذا المدى، فما ذنب الأسماء يا ترى؟ وبم تتّهم ألفاظ، إلاّ إن كان في لفظ الاسم ما يوحي بالهمجيّة أو الشّؤم أو السّوء أو الفحش؟ والحال أنّ اسم المسيحيّين مشتقّ من معنى المسح والادّهان*. ورغم أنّكم تنطقونه خطأ*، فما لكم حتّى باسمنا معرفة ثابتة، هو من الرّفق والسّماحة؛ لذا أنتم تكرهون في أناس أبرياء حتّى اسمهم البريء. لكنّ الملّة تُكره أساسا في اسم صاحبها. أيّة غرابة في أن تشتقّ شيعة من اسم مؤسّسها كنية لأتباعها؟ ألا يُدعى الفلاسفة بناء على أسماء مؤسّسي مذاهبهم أفلاطونيّين* وأبيقوريّين* وفيثاغوريّين*؟ أو نسبة إلى أماكن اجتماعاتهم ومجالسهم رواقيّين* وأكاديميّين*؟ أولا يشتقّ كذلك الأطبّاء اسمهم من إرسسْتراتوس* والنّحاة من أرسطراخوس* والطّهاة من أبيقيوس*؟ مع ذلك لا يسيء إلى أحد أن يجهر باسمه مع المذهب المنقول عن مؤسّسه؛ لا محالة إن أثبت أحد أنّ المعلّم سيّء والفرقة سيّئة، فقد أثبت كذلك أنّ الاسم سيّء وجدير بالكراهية انطلاقا من تجريم المؤسّس والأتباع؛ وقبل ذلك كان كره الاسم يقتضي تعرّف الملّة من مؤسّسها أو المؤسّس من ملّته. لكن هنا يُعمد دون اهتمام بالتّحقيق عنهما ودون التّعرّف عليهما إلى التّشهير بالاسم ومحاربته بلا هوادة؛ بكلمة واحدة تُدينون مسبقا ملّة تجهلونها ومعلّما تجهلونه لأنّهما يحملان اسما معيّنا، لا لثبوت جريمة عليهما. 4- رفض ترخيص المسيحيّة ظلم صارخبعد هذه التّوطئة الّتي أردت التّنديد فيها بالظّلم الّذي يتضمّنه بغض الجمهور لنا، سأوجّه الآن مرافعتي إلى إثبات براءتنا، ولن أقتصر على تفنيد المطاعن المأخوذة علينا، بل سأردّها كذلك على ثالبينا ليعلم النّاس من ذلك أيضا أنّ النّصارى برءاء ممّا لا يجهلون وجوده فيهم هم بالأحرى، ويخجل في نفس الوقت من يتّهموننا، لا أقول اتّهام أشرار للأخيار، بل إن شاؤوا اتّهام بشر لبشر مثلهم. سنجيب بالتّفصيل على ما نتّهم به من جرائم شتّى يدّعون أنّنا نرتكبها سرّا بينما وجدناهم يرتكبونها جهرا، ويُنظر إلينا على أساسها كمجرمين وسخفاء أهل للعقاب والاستهزاء. لكن ما دمتم في نهاية الأمر، إن استوفت حقيقتنا كلّ الشّروط، تشهرون ضدّها سلطة القوانين زاعمين أنّه لا يجب اعتبار أيّ شيء بعدها وأنّ واجب الطّاعة ولو كرها مقدَّم على الحقيقة، سأبدأ بمحاجّتكم حول تلك القوانين بصفتكم حماتها. بدءا، لمّا تصرّحون بصرامة بموجب القانون: "وجودكم غير مرخّص"، وتأمرون بوضع حكمكم هذا موضع التّنفيذ بدون رجعة ولا رحمة، ترفعون من علاء سلطتكم شعار التّسلّط والجبروت، إن رفضتم ترخيص وجودنا لأنّ تلك مشيئتكم، لا لأنّ القانون قضى بحظره. إن كنتم ترفضون ترخيصه لأنّه لا يجب أن يرخَّص، فقطعا لا يجب أن يُسمح بما فيه الشّرّ ومن ثمّة يُحكم يقينا بترخيص ما فيه الخير؛ إن وجدتُ ما حظر قانونك صالحا، أليس واضحا على أساس ذلك الحكم أنّه لا يستطيع أن يحظر عليّ ما يحظر بصفة مشروعة إن كان فيه شرّ؟ إن أخطأ قانونك فذاك في اعتقادي لأنّه من وضع الإنسان فهو لم يُنزَّل من السّماء. أعجبٌ أن أمكن لإنسان أن يخطئ بسنّ قانون أو أن يعود إلى الحقّ بجبّه؟ ألم يعدّل اللّخدمونيّون* قوانين ليكرغوس* نفسه، مسبّبين بذلك لصاحبها من الألم ما دفعه إلى إماتة نفسه جوعا بمنأى عن النّاس؟ أوَلستم أنتم أنفسكم، بفضل التّجارب الّتي تنير ظلمات الأزمنة القديمة تقصّون وتقطّعون كلّ يوم في غابة القوانين البالية بفؤوس المراسيم والقرارات الامبراطوريّة الجديدة؟ ألم يلغ بالأمس سويروس* الّذي لايضاهي حزمه أحد بين الأباطرة القوانين البابيّة* النّخرة الّتي تجبر على تربية الأطفال قبل عقد القران وفق القانون اليوليويّ* بعدما هرمت تلك السّلطة؟ كذلك كانت توجد قوانين تبيح للدّائنين قطع المدينين إربا إن أدانهم القانون ثمّ ألغيت لاحقا هذه الوحشيّة بموافقة الجميع، وحُوّل عقاب الإعدام إلى وصمة خزي؛ وفي اللّجوء إلى بيع أملاك المدين بالمزاد تفضيل لتخضيب وجهه بدمه على إراقته*. كم يخفى عليكم من قوانين تحتاج إلى التّنقيح، فلا عمرها ولا شرف مشترعيها يمنحها صلاحيّتها بل عدالتها فقط! لذا لمّا يُتبيّن ظلمها تدان بصفة مشروعة، وإن كانت تدين. كيف نقول إنّها ظالمة؟ بل فوق ذلك، إن كانت تعاقب مجرّد اسم من حقّنا القول أيضا بأنّها خرقاء. فإن كانت تعاقب أفعالا، لِم تعاقب بناء على الاسم وحده أفعالا تثبتها لدى الآخرين بناء على الدّليل المادّيّ لا الاسم؟ أنا زان بالمحارم، فلِم لا يحقّقون في ذلك؟ أنا قاتل أطفال فلم لا ينتزعون منّي بالتّعذيب الإقرار بجرمي؟ قدحت في الذّات الامبراطوريّة أو جدّفت على الآلهة، فلم لا يُستمع إلى ما أدافع به عن نفسي؟ لا قانون يمنع بيان ما يحظره، فلا القاضي بمُنزِل عقابا عادلا إن لم يتحقّق من فعل المتّهم ما يمنعه القانون، ولا المواطن بممتثل للقوانين بالتزام إن كان يجهل ما الّذي تعاقب عليه. ولا قانونَ يستمدّ الاقتناع بعدالته من ذاته فقط، بل ممّن ينتظر امتثالهم له؛ وأيّ قانون مشبوه إن لم يقبل الفحص ومرجّحٌ فسادُه إن فُرض دون تعليل. 5- نبذة تاريخيّة عن موقف الأباطرة النّصارى مع الإشادة بالمتسامحين والتّنديد بالمتعنّتينللبحث في مسألة مصدر القوانين الّتي تعنينا هنا، نشير إلى وجود مرسوم قديم يقضي بألاّ يقرّ الامبراطور أيّ إله ما لم يصادق عليه مجلس الشّيوخ*؛ يعلم مرقس إيميليوس* ذلك بخصوص إلهه ألبُرنوس*؛ وهذا يؤيّد ما نذهب إليه من أنّ الألوهة عندكم مسألة تابعة لنظر البشر؛ إن لم يرقْ إله للإنسان فلن يكون إلها؛ ها هو الإنسان إذن بات هو الّذي يُرجى رضاه على الإله. لذا نجد أنّ تيبريوس* الّذي في عهده دخل اسم المسيحيّين العالم، لمّا أحيط علما من بلاد سورية فلسطين بالأحداث الّتي جلَت صحّة ألوهته، أحال المسألة إلى مجلس الشّيوخ*، مدليا هو الأوّل بموافقته، فرفض مجلس الشّيوخ* لأنّه لم يتحقّق بنفسه؛ تمسّك قيصر بموقفه مهدّدا بالويل متّهمي النّصارى. ارجعوا إلى سجلاّتكم تجدوا فيها أنّ نيرون* أوّل من شهر السّيف الامبراطوريّ وبمنتهى الوحشيّة ضدّ هذه الملّة الّتي ظهرت آنذاك تحديدا في رومية؛ لكنّا نعتزّ بأن يكون مثله مفتتح اضطهادنا. إذ يمكن لكلّ من يعرفه إدراك أنّ لا شيء يدينه نيرون* إلاّ وفيه خير ما. حاول كذلك دومتيانوس*، وفيه شيء من وحشيّة نيرون* لكنّه احتفظ معها بشيء من الإنسانيّة، فما لبث أن ارتدع بسهولة عمّا شرع فيه، بل وأعاد كذلك من أمر بنفيهم. هكذا كان دوما مضطهدونا: بغاة عتاة كفرة فجرة، اعتدتم أنتم أنفسكم إدانتهم ودأبتم على ردّ الاعتبار لمن حكموا عليهم*. لكن ضمن كلّ الأباطرة العقلاء منذ ذاك العصر حتّى امبراطورنا الحاليّ الإنسانيّ والرّبّانيّ، اذكروا أيّ مضطهد للنّصارى. بينما نستطيع أن نذكر منهم حاميا لنا إن رجعتم إلى رسالة مرقس أورليوس* الامبراطور الرّزين الرّصين، حيث يشهد بانتهاء الجفاف الّذي ضرب جيش جرمانية* بغيث يعود فضل الحصول عليه إلى صلوات جنود نصارى؛ ولئن لم يرفع العقاب عنهم جهرة، فقد أبطل مفعوله بنحو آخر علنا، بل مضيفا عقاب متّهميهم وبكلّ صرامة. فأيّ قوانين هي تلك الّتي لا يسلّطها ضدّنا غير البغاة القساة الكفرة الفجرة المكرة الخبل؟ الّتي أبطلها جزئيّا ترايانوس* برفضه إجراء التّحقيق حولنا، والّتي لم يطبّقها أباطرة كهدريانوس*، مستكشف كلّ غريب، ولا فسبسيانوس*، مضطهد اليهود، ولا بيوس* او فيروس*. في كلّ الأحوال أرجحُ أن يحكم باستئصال الأشرار الأخيارُ أعداؤهم، من أن يفعل ذلك حلفاؤهم. 6- الرّدّ على المشهّرين بهم لتركهم سنن السّلف بأنّ الرّومان أنفسهم تخلّوا عنهاأودّ الآن أن يجيبني حماة قوانين ومؤسّسات الآباء الأمناءُ، الثّائرون لها من منتهكيها، عن مدى أمانتهم وامتثالهم لنواميس الألى، إن لم يحيدوا عن أيّ منها، إن لم يمرقوا على أيّ منها، إن لم يلغوا هذه الضّوابط الضّروريّة والمناسبة إلى أقصى درجة لأيّ منهج في الحياة. لماذا اختفت تلكم القوانين الّتي كانت تحدّ البذخ والمطامع؟ الّتي كانت تنهى عن إنفاق أكثر من مائة دانق على العشاء، وتقديم أكثر من دجاجة، وغير مسمّنة، والّتي رفتت من عضويّة مجلس الشّيوخ* أحد الأشراف لأنّه كان يملك عشرة أرطال من الفضّة باعتبارها علامة واضحة على مطامحه السّياسيّة، والّتي كانت تهدّ المسارح المشيدة لإفساد الأخلاق فور إنشائها، والّتي لم تكن تسمح باغتصاب شارات التّشريفات وكرم الأصل اعتباطا وبلا عقاب؟ اليوم أرى أنّه ينبغي أن يُطلق اسم مآدب المائة على تلك الّتي يُنفق فيها أكثر من مائة ألف درهم، ووأنّ الفضّة المستخرجة من المناجم تحوّل إلى أطباق لا فرق في ذلك بين أعضاء مجلس الشّيوخ والعبيد، حتّى من لم يزالوا تحت عفق السّياط؛ وأرى مسارح، لا مسرحا واحدا في الهواء الطّلق. فكيلا تفتر حتّى في الشّتاء تلك المتعة الخليعة ابتدع اللّخدمونيّون* قبل غيرهم تلك الكبابيد المقلنسة المقيتة لمشاهدة الألعاب؛ أرى كذلك أن لم يبق فرق يذكر في اللّباس بين السّيّدات والمومسات*. بخصوص النّساء اندثرت كذلك تشريعات الأجداد الّتي كانت تشجّع الاحتشام والاعتدال، أيّام كانت الواحدة منهنّ لا تعرف ذهبا سوى الخاتم الّذي نذرها به خطيبها قبل الزّواج، ويمتنعن عن الخمر حتّى أنّ ربّة بيت قتلها ذووها جوعا من قبل ذويها لفتحها مخزن النّبيذ، وأنّ متنيوس* قتل زوجته في عهد رومولوس* دون عقاب لأنّها مسّت الخمر. لذا كان عليهنّ أن يعرضن أفواههنّ لذويهنّ ليُعرف ذلك من أنفاسهنّ. أين اليوم تلك السّعادة الأسريّة الّتي أثمرتها أخلاق تلك الأيّام وبفضلها لم يسجّل أيّ بيت طلاقا طيلة حوالي ستّمائة سنة منذ إنشاء رومية؟ أمّا الآن فما من عضو بالمرأة إلاّ ومثقل بالذّهب، ولا فم إلاّ ويعبق بأبخرة الخمور، والطّلاق صار أمنية كما لو كان ثمرة الزّواج المرجوّة. أمّا التّشريعات الاحتياطيّة الّتي سنّها آباؤكم بشأن آلهتكم، فقد ألغيتموها يا أبرّ البنين: أزال القنصلان* بمصادقة مجلس الشّيوخ* الأب ليبر* مع طقوسه لا في رومية فقط بل في كلّ أرجاء إيطالية. وأبعد القنصلان بيسون* وغابينوس*، وما هما قطعا من النّصارى، سرابيس* وإيزيس* وهربقراطس* مع رفيقهم ذي رأس الكلب* من الكابتوليوم* ونبذاهم بذلك من مجمع الآلهة بعدما دمّرا هياكلهم أيضا للحدّ من مفاسد تلك الضّلالات المخزية وغير المجدية؛ لكنّكم أعدتموهم ورددتم لهم جلالهم بالكامل. فأين الاحترام وأين الإجلال الواجب للجدود؟ في الملبس والمأكل والتّربية والتّفكير، بل حتّى في اللّغة تخلّيتم عن سنّة السّلف؛ لا تكفّون عن الثّناء على الماضي وتتّبعون في حياتكم بدع العصر؛ يتّضح من كلّ ذلك أنّكم، بينما تتخلّون عن سنن السّلف الصّالحة، ترعون وتصونون تلك الّتي ما كان يجب حفظها وتفرّطون في الّتي كان يجب التّمسّك بها. حتّى أهمّ إرث لأسلافكم تودّون الظّهور كحفظته الأمناء وتتّهمون النّصارى خاصّة بانتهاكه، أعني التّفاني في عبادة الآلهة، وهو ما أخطأ السّلف بشأنه أشنع الخطإ، رغم إعادتكم بناء هياكل لسيرابيس* الّذي غدا رومانيّا، ورغم إلغائكم عربداتكم لباخوس* الّذي غدا طليانيّا، سأبيّن في محلّه أنّكم تزدرونه وتهملونه وتدمّرونه مستخفّين بسلطة الأجداد. وها أنا سأردّ الآن على تلك الشّائعة المغرضة عن جرائمنا السّرّيّة، لأفسح أمامي المجال للأمور العلنيّة. 7- تكذيب الإشاعات كزنا المحارم وتقديم الضّحايا البشريّة يقال عنّا إنّنا أسوأ المجرمين نقتل في طقوسنا طفلا ونقتات به، وبعد الوليمة نزني بالمحارم بعدما تقلب الشّموع كلاب هي بمثابة وسطاء الظّلام لإخفاء فواحشنا المنكرة. ذاك ما يشاع عنّا باستمرار، وما لم تكلّفوا أنفسكم على طول المدى عناء كشفه للعيان؛ بيّنوه إن كنتم تصدّقون به أو لا تصدّقوه إن لم تبيّنوه؛ فمن تعتيمكم على الأمر يستدلّ مبدئيّا على أنّ لا وجود لما لا تجرؤون كشفه بأنفسكم؛ وبمهمّة مخالفة تماما تأمرون الجلاّد في حالة النّصارى: حملهم على إنكار هويّتهم لا الإقرار بأفعالهم. يعود تاريخ هذه الملّة كما أشرنا آنفا إلى عصر تيبريوس*؛ بدأت الحقيقة ومعها كراهيتها، عوديت منذ ظهورها؛ صار كلّ من لا ينتمون إليها أعداء لها: اليهود بالأخصّ غلاّ، والجند بغيا، وحتّى خدمنا كما هو طبيعيّ. يوميّا نهاجَم، يوميّا يُغدر بنا، مرارا وتكرارا نباغَت في اجتماعاتنا وندواتنا. فمن وجد أبدا بهذا النّحو طفلا يصرخ وهو يذبح؟ من احتفظ للقاضي بأفواه أولئك السّعالى والأغوال* كما وجدها ملطّخة بدم الضّحايا؟ من عثر على أثر لرجس في الزّوجات المسيحيّات؟ من اكتشف مثل تلك الجرائم البشعة فتستّر عليها أو بلّغ عنها جارّا أمام الحاكم الجناة؟ إن كنّا نتخفّى باستمرار فمتى كُشف ما نأتي من جرائم؟ بل ممّن أمكن أن يُكشف؟ طبعا من غير المتّهمين أنفسهم وبحكم طبيعة دينهم أصلا، إذ يطالَبون بالقسم على كتمان أسراره؛ وإذا كانت الأسرار السّاموتراقيّة* والإليوسيّة* تبقى طيّ الكتمان، فكم ستثير تلك أكثر منها غضب النّاس حاضرا وغضب اللّه المستبقى ليوم آت. إن لم يكشفوا إذن أسرارهم، فلا بدّ أنّ أجانب عن ملّتهم وشوا بهم؛ ومن أين لأجانب العلم ما دامت ديانات الأسرار، حتّى الّتي جوهرها التّقوى، تستبعد الغرباء وتحتاط من الشّهود، إلاّ إن كانوا كفرة فهم أقلّ خوفا*؟ طبيعة الإشاعة معروفة للجميع. من أقوالكم أنّ "لا آفة أسرع من الشّائعة"*. لماذا تعدّ الإشاعة شرّا؟ ألسرعتها؟ ألأنّها غالبا تشهير؟ أم لأنّها زور؟ هي الّتي حتّى إن حملت نواة من الصّدق لا تخلو من الكذب، فتنقص وتزيد وتحوّر في الحقيقة. لماذا؟ لأنّ شرط وجودها هو ألاّ تستمرّ إلاّ إن كذبت، وتبقى طالما لم تثبت ما تزعم، فحالما تثبته ينتهي وجودها، كما لو أنّها أنجزت مهمّة الإخبار بإذاعة النّبإ، ومن ثمّ يؤخذ على أنّه خبر صحيح ويشار إليه كذلك. لا أحد يقول مثلا: "يقال: وقع كذا برومية" أو "يشاع أنّ فلانا اختير لولاية ذلك الإقليم"، بل :"ولّي فلان ذلك الإقليم" و"وقع برومية كذا". لا مجال للإشاعة الّتي هي اسم الظّنّيّ غير الثّابت حيثما يوجد المحقّق الثّابت؛ وهل يصدّق الإشاعة لعمري غير أخي الجهالة؟ العاقل الرّصين لا يصدّق ما ليس ثابتا؛ يمكن للجميع أن يروا أنّها، مهما بلغت رقعة انتشارها، ومهما بلغت من الوثوق، وُلدت حتما من مصدر واحد محدّد في آخر المطاف، تسلّلت منه زحفا في قنوات الألسن والآذان. هكذا يطغى العيب الّذي تحمله هذه البذرة البسيطة على كلّ جوانب الإشاعة، إلى درجة أنّ لا أحد يفكّر ما إذا كان هذا الفم الأوّل قد بذر كذبا، وهو ما يحصل كثيرا إمّا بروح الكراهية، أو للحكم بالشّبهة، أو لمجرّد حبّ الكذب غير المكتسب بل الفطريّ عند بعض النّاس. لكن لحسن الحظّ يكشف الزّمان كلّ الخفايا، كما تشهد بذلك حِكمكم وأمثالكم السّائرة*، بذلك قضت الطّبيعة الإلهيّة كيلا يظلّ شيء خافيا أبد الدّهر، حتّى ما لم تنشره الشّهرة. لا غرو إذن أن تكون الشّهرة الشّاهد الوحيد على جرائم النّصارى؛ ذاك هو الدّليل الوحيد الّذي تستشهدون به ضدّنا، والّذي لم يستطع حتّى اليوم إثبات ما أشاع عنّا فيما مضى ورسّخ في الأذهان بمرّ الزّمان. 8- سخف تلك الإشاعاتلكي أحكّم الطّبيعة نفسها ضدّ من يرون تلك الإشاعات جديرة بالتّصديق، ها نحن نعرض عليكم جزاء تلكم الفعال: إنّها تعد بالحياة الأبديّة؛ صدّقوا ذلك مؤقّتا؛ أسألك عندئذ، أنت الّذي تؤمن بذلك، أتعطي مثل تلك الأهمّية لأن تصل إليها بهذا الوزر على ضميرك. تعال أغمد سيفك في هذا الطّفل الّذي ليس عدوّا لأحد ولا مذنبا بشيء، الّذي هو ابن الجميع، وإلاّ إن تركت لغيرك هذه المهمّة، فلتحضر فقط إلى جانب بشر يلفظ الأنفاس قبلما عاش، وانتظر أن تفارق بدنه روحه الغضّة، واجمع دمه الزّكيّ الجنيّ فأغمس فيه خبزك، وهنيئا خذ منه وطرك. ثمّ استلق أمام المائدة واحفظ مكانيْ أمّك وأختك حولها، تبيّنهما جيّدا حتّى لا تخطئ لمّا ينزل بفضل الكلاب ظلام اللّيل؛ فستكون ارتكبت جرما شنيعا إن لم تزن بمحارمك. وتعيش بعدما ولجت إلى هذه الحياة وحملت ختمها حياة أبديّة. أودّ أن تجيبني إن كانت الحياة الأبديّة تساوي هذا الثّمن؛ وإلاّ فلا ينبغي تصديق ذلك. وحتّى لو صدّقتَ أُنكر أن تكون لك فيه رغبة، وحتّى لو رغبتَ أنفي أن يكون بمقدورك فعله. فلِم تصدّق والحال تلك أن يكون بوسع الآخرين إتيانه، ما دمتم أنتم لا تستطيعون فعله؟ ولِم لا تستطيعون إن كان غيركم يستطيع؟ ما أظنّنا إلاّ من طينة مختلفة، فهل نحن من أشباه الكلاب* أو من الوحوش والأغوال*؟ ألدينا تشكيلة مختلفة من الأسنان، أننفرد بغرائز تدفعنا إلى الشّبق الحرام؟ ما دمتَ تصدّق هذه الأشياء عن بشر يمكن أن تفعلها أنت أيضا؛ أنت إنسان كالنّصرانيّ تماما؛ وما لا يمكن أن تفعله يجب ألاّ تصدّقه؛ فالنّصرانيّ إنسان مثلك. لكن قد يقال إنّ ذلك يُعرض ويُفرض عليهم وهم يجهلون؛ فعلا لم يكونوا يعلمون بما يؤكّد حول النّصارى، بينما كان المفروض أن يحقّقوا حوله بأنفسهم ويتثبّتوا منه باحتياط. عادة من يريدون الدّخول في ديانة ما، في اعتقادي، الحضور أوّلا عند الأب حافظ أسرارها لوصف ما يتعيّن جلبه. سيقول المعلّم إذّاك: "عليك بطفل ما زال غضّ الإهاب يجهل الموت ويبتسم تحت شفرة الموسى، وبخبز تثرده في دمه، وكذلك شمعدان وفوانيس وعدد من الكلاب ولُقَم لتنطّ لالتقافها فتوقع الشّموع؛ ويجب بالأخصّ أن تأتي مع أمّك وأختك". ماذا إذن لو لم تريدا مرافقتك، بل لو لم توجدا أصلا؟ ماذا عن النّصارى الّذين يعيشون فرادى بلا أقارب؟ لن يكون المريد نصرانيّا إذن، على ما أرى، ما لم يكن ابنا أو أخا. والآن ماذا لو أُعدّت لهم كلّ هذه الأشياء بغير علمهم؟ لا شكّ إذن أنّهم سيعلمونها بعدئذ ويرتضونها. أتراهم سيخافون العقاب إن بلّغوا عنها وهم إذّاك سيستحقّون حماية القانون بل وسيؤثرون الموت على العيش وتلك الجرائم تثقل ضمائرهم. هبهم جدلا يخافون الآن، فلم يتمادون في تلك الممارسات؟ فبيّن أنّ المرء لا يرضى بالاستمرار على وضعٍ ما كان يرضاه لنفسه لو كان يعلمه. 9- ردّ التّهم إلى الوثنيّين لأفنّد أكثر هذه الشّبهات عنّا، سأبيّن أنّها كانت تحصل بين ظهرانيكم، جزء منها خفية، وجزء علانية، وذاك على الأرجح ما جعلكم تصدّقون صدورها عنّا. كان الأطفال يقدَّمون ذبائح لساترنوس* في إفريقية* علنا حتّى ولاية تيبريوس* الّذي عرض كهنته أحياء مصلّبين على أشجار معبدهم الّتي ظلّلت تلك الجرائم، يشهد بذلك جيش أبينا* الّذي نفّذ هذه المهمّة لذلك الوالي. لكن ما زال مستمرّا في الخفاء حتّى اليوم ذلك الجرم الطّقوسيّ*؛ فليس النّصارى وحدهم من يستنكرون فعالكم ولا تُستأصل أيّة جريمة بصفة مستديمة، أو يغيّر إله ما تصرّفاته. ما كان ساترنوس* الّذي لم يعفّ عن بنيه أصلا، إلاّ سيتمادى لا شكّ في قتل أبناء غيره، والحال أنّ آباءهم أنفسهم كانوا يقدّمونهم له، ويستجيبون بطيب خاطر لطلبه ويلاطفون صغارهم كيلا يبكوا وهم يذبحونهم؛ شتّان مع ذلك بين قتل ذوي القربى وقتل غيرهم. في بلاد الغال يقدّم قرابينَ لمركوريوس* فتيانٌ أكبر سنّا؛ أعيدُ كذلك لمسرح أحداثها القصص الطّوريّة*؛ لكن حتّى في هذه المدينة الدّيّنة المأهولة بحفدة إينياس*، هناك تمثال ليوبتر* يغسلونه بالدّم البشريّ في الألعاب المقامة باسمه؛ قد تعترض بأنّه دم مصارع وحوش؛ أردّ: "أهو لذلك أرخص من دم إنسان آخر؟ أم تراه أنجس لأنّه لمجرم؟ هو في نهاية الأمر دم مسفوح في عمليّة قتل نفس بشريّة؛ فوايوبتر* النّصرانيّ ابن أبيك الأوحد في الوحشيّة! أمّا أنّ لا فرق في قتل الأطفال سواء تمّ بدافع طقوسيّ أو شخصيّ، وإن وُجد فرق لا محالة بين قتل القريب وغيره، فسأحكّم الشّعب في المسألة؛ كم بين هذه الوجوه المتألّبة حولنا المتعطّشة إلى دم النّصارى، وحتّى من بين الولاة الرّحماء بكم والقساة علينا، من سأحيلهم على ضمائرهم لقتلهم فلذات أكبادهم عند ميلادهم*. وإن وُجد فرق بخصوص طريقة القتل، فلا جرم أنّ كتمكم أنفاسهم في الماء أو تعريضكم إيّاهم للموت من البرد أو الجوع أو بين أنياب الكلاب أشدّ بطشا ووحشيّة؛ وأنّ الأكبر سنّا سيفضّل لا شكّ الموت بحدّ السّيف. أمّا عندنا فقتل النّفس محرّم إلى الأبد فلا يحلّ لدينا حتّى إسقاط الجنين من رحم أمّه، وهو لم يزل في طور التّكوين من الدّم؛ فما الإجهاض سوى تعجيل بالقتل ولا فرق في الحقيقة بين انتزاع نفس الوليد وإعدام كائن في طريقه إلى الميلاد. فإنسان أيضا من هو صائر إلى الإنسانيّة، كما أنّ كلّ ثمرة موجودة في بذرتها*. أمّا الاغتذاء بدم البشر وما إلى ذلك من أطعمة فظيعة فاقرؤوا في بعض المراجع، عند هيرودوت* في ظنّي، كيف كانت بعض الأمم تبرم مواثيق بشرب الدّم المفصود من ذراعي الطّرفين؛ ووقع أيّام كاتلينا* شيء مماثل؛ يقال أيضا إنّ ذوي الميّت عند بعض الشّعوب السّكيثيّة* يلتهمونه. لكن لم الذّهاب بعيدا وفي زمننا يفصد عبدة بلّونة* أفخاذهم فيجمعون حفنة من الدّم المعدّ لطقوسها ويقدّمونه عربونا لميثاقها. بل أين أولئك الّذين يتهافتون في عروض المصارعة على الحلبة ليجتنوا دم القتلى المجرمين وهو لا يزال طازجا يشخب من حناجرهم فيأخذونه بلهف لعلاج الصّرع؟ ومثلهم أولئك الّذين يتغذّون من الوحوش المقتولة في الحلبة ويشتهون لحوم الخنازير البرّيّة والأيائل؛ ذاك الخنزير ملطّخ بدم مصارعه المراق، وذاك الأيّل تمرّغ في دم المصارع؛ بل يتشهّى بعضكم كروش الدّببة وهي لا تزال متخمة بلحوم بشريّة، فلحم مغذّى من إنسان يفوح من ذلك الإنسان. أنتم الّذين تأكلون كلّ ذلك، كم من مآدب النّصارى رفضتم؟ وهل يصنع أقلّ ممّا ترموننا به أولئك الّذين يلتهمون بشهيّة الوحوش أعضاء بشريّة، لأنّهم ببساطة يأكلونهم أحياء؟ أم تراهم أقلّ تنجّسا بالدّم البشريّ لأنّهم يلعقون ما سيتستحيل دما؟ صحيح أنّهم لا يأكلون صبية بل فتية في سنّ البلوغ. فلتخجلوا بضلالكم منّا نحن النّصارى الّذين نحرّم أكل دم الحيوان، ولذا نستنكف عن الميتة والمنخنقة كيلا نترجّس بأيّ نحو بالدّم بما في ذلك ما انطوت عليه الأحشاء*. ثمّ إنّكم لامتحان النّصارى تقدّمون لهم نقانق حشيت دما وأنتم لا شكّ تعلمون يقينا أنّ ما تريدون أن تفتنوهم به محرّم عليهم؛ فكيف استقرّ في أذهانكم أن يستسيغ دمَ الإنسان أولئك الّذين تعلمون جيّدا أنّهم يقرفون دم الحيوان، إلاّ إن كنتم ربّما جرّبتموه ووجدتموه ألذّ مذاقا؟ بل ما كان أحراكم حقّا بإحضاره كالمذبح أو المبخرة فتتّخذوه معيارا لاختبار النّصارى؛ فتثبتوا أنّهم نصارى إن استساغوا الدّم البشريّ حتّى إن امتنعوا عن تقديم الذّبائح، أو تبرّئوهم إن استنكفوا عن تذوّقه كما في حال تقديم قرابين؛ ولن تعدموا دما بشريّا في غرف استنطاق سجونكم وساحات القصاص. أمّا زنا المحارم فمن يبزّ في ممارسته من علّمه لهم يوبتر نفسه*؟ يورد أكتسياس* أنّ الفرس كانوا يزنون بأمّهاتهم. لكنّ المقدونيّين أيضا مشتبه بهم بدليل أنّهم لمّا سمعوا أوّل مرّة مسرحيّة أوديب* تضاحكوا ساخرين من أسى البطل الّذي وقع بغير علم في الزّنا بأمّه، قائلين: "سخافات يونان! فلتنز على أمّك." بل حتّى في زماننا هذا، أقرّوا كم يتيح من فرص للزّنا بالمحارم بطريق الخطإ مجونكم المتفسّخ: أوّلا تتخلّون عن أبنائكم فتعرضونهم على المارّة لعلّ غريبا تأخذه بهم رحمة فيحملهم، أو تخرجونهم من كفالتكم ليتبنّاهم آباء أفضل حالا؛ لا بدّ إذّاك أن تضمحلّ يوما ذاكرة نسلكم الّذي فرّطتم فيه، مع وقوع الخطإ، فلا يلبثون أن يقعوا في مزلّة الزّنا بالمحارم، وتنتقل اللّطخة بتعاقب الأجيال. كذلك أينما كنتم، في حلّكم وترحالكم، بل وفي ما وراء البحار، الشّبق رفيقكم. فمن السّهل أن تجمع نُجعاته هنا أو هناك، في مراتعه المتناثرة في كلّ مكان، أبناء بآباء يجهلون أبوّتهم، فتلتقي بعض البذار المنتشرة بهذا النّحو عبر العلاقات البشريّة بذوي قرباها فتعمى عن تعرّف محارمها. أمّا نحن فوَقتْنا عفّتنا اليقظة الدّؤوب حدوث ذلك، وبقدر ما نصون أنفسنا عن الفواحش وكلّ علاقة خارج الزّواج، نحن بمأمن من أيّ زنا بمحارمنا عن طريق الخطإ؛ بل إنّ بعضنا في وضع أضمن للسّلامة إذ يدفعون كلّ احتمال لهذا الخطإ ببتوليّتهم فيظلّون وهم شيوخ أطفالا*. لو دقّقتم النّظر لوجدتم هذه المذامّ فيكم ورأيتم أنّ النّصارى منها برءاء. ولعمري إنّ العيون لتخبر بكلتا الحالتين. لكنّ نوعين من العمى يتظافران بسهولة ليتراءى لمن لا يرون ما هو موجود أنّهم يرون ما ليس له وجود؛ سأبيّن ذلك من خلال كلّ ما يلي؛ والآن سأتناول الأمور العلنيّة. 10- الآلهة الوثنيّة في الأصل بشر تقولون: "أنتم لا تعبدون الآلهة ولا تقدّمون القرابين للأباطرة؛" امتناعنا عن تقديم القرابين باسم آخرين ناتج عن نفس المبرّر الّذي ينهانا عن فعله من أجل أنفسنا وهو امتناعنا عن عبادة أولئك الآلهة. لهذا السّبب يُقبض علينا بتهمة انتهاك حرمة الآلهة والأباطرة: ذاك سببها الرّئيسيّ بل جوهرها، ونعترف بلا جدال بوجاهته، شرط ألاّ يكون الحكْم للظّنّ أو الظّلم فأحدهما يضيع الحقيقة والآخر ينبذها. فعلا نستنكف عن عبادة آلهتكم لعلمنا بأنّهم ليسوا آلهة؛ ما عليكم إذن إلاّ أن تطالبونا بإثبات أنّهم ليسوا آلهة ولا موجب بالتّالي لعبادتهم فإنّما تجب عبادتهم فقط لو كانوا آلهة بحقّ؛ وحينئذ يجب أن يعاقَب النّصارى ما دام قد ثبت أنّ من يأبون عبادتهم لإنكارهم ألوهيّتهم آلهة حقّا. تقولون: "لكنّهم آلهة في عرفنا". نرجع إلى عقلكم ونحكّمه بيننا: ليحكمْ علينا وليُدنّا إن استطاع تفنيد كون آلهتكم جميعا بشرا في الأصل. وإن لم يؤيّدنا هو أيضا فستقنعه وثائق الماضي الّتي خلّفوها وعُلمت منها أخبارهم، فهي تقدّم إلى يومنا هذا شهادة بالمدن الّتي ولدوا فيها، والبلاد الّتي تركوا فيها آثار أعمالهم، وأين شوهد دفنهم*. أفيجب أن أستعرضهم الآن واحدا واحدا، وهم ما هم كثرة وتنوّعا، جددا وقدامى، أعاجم ويونانا ورومانا وأغرابا، مستوردين ومولّدين، خواصّ ومشتركين، ذكرانا وإناثا، مدرا وحضرا، بحريّين وحربيّين؟ بل غير مجد في اعتقادي حتّى تتبّع ألقابهم، لجمعهم في موسوعة، لا لتعرفوهم بل لتتذكّروهم؛ فلا شكّ أنّكم نسيتم الكثير عنهم#؛ لا إله عندكم يتقدّم على ساترنوس*، فمنه انبثقت سلسلة أعظم وأشهر الآلهة؛ لذا فما يصحّ على الأصل ينطبق كذلك على النّسل. الحقيقة حول ساترنوس* حسب ما تخبرنا الكتب هو أنّ لا ديودورس* الإغريقيّ ولا ثالّوس* ولا كسّيوس سويروس* او كُرنليوس نيبوس* ولا أيّا من الباحثين في التّاريخ القديم أكّد شيئا آخر غير أنّه إنسان. أمّا إن أردنا الحجاج انطلاقا من الوقائع، فما إخالني أجد قطّ أفضل وأحقّ بالثّقة ممّا نجد عنه في إيطالية حيث أقام بعد بطولاته العديدة ومقامه بأتّيكة*، فنزل ضيفا على يانوس أو يانس* كما يريد السّاليّون*. فالرّبوة الّتي أقام عليها تسمّى ساترنيوس* والمدينة الّتي شادها تدعى إلى يومنا هذا ساترنية*؛ أخيرا صارت إيطالية بأكملها بعد تسميتها القديمة أُنترية* تدعى ساترنية*؛ وهو أوّل من اخترع الخطّ والرّسم وسكّ النّقود* ولهذا السّبب بالذّات يعدّ حامي بيت المال. لكن إذا كان ساترنوس* إنسانا فلا شكّ أنّه ولد من إنسان؛ وبما أنّه انحدر من إنسان، فما أتى قطعا من السّماوات والأرض؛ لكن لمّا كان أبواه مجهوليْن، كان سهلا أن يقال عنه إنّه ابن ذينك العنصرين اللّذين قد نبدو نحن أيضا كلّنا أبناءهما. من فعلا لا يدعو السّماء والأرض أباه وأمّه من باب الإجلال والإكرام أو جريا على عادة النّاس القول عمّن لا يعرفونهم أو من يظهرون بينهم فجأة إنّهم وقعوا من السّماء؟ من هنا قيل حيثما ظهر ساترنوس* بغتة إنّه هبط من السّماء؛ كذلك يدعو العامّة مغموري النّسب الّذين لا يعلمون لهم أصلا ثابتا أبناء الأرض*؛ وغنيّ عن الذّكر أنّ النّاس كانوا يعيشون إذّاك حياة خشونة بحيث كانوا يتأثّرون لمرأى أيّ رجل جديد عليهم كما لو كان إلها، ما دام النّاس اليوم، بعدما تحضّروا، يكرّسون أربابا من أقرّوا بدفنهم قبل أيّام في حداد رسميّ بأنّهم فناة*. كفى ما قلنا عن ساترنوس* على قلّته؛ وسنبيّن أنّ يوبتر* هو الآخر إنسان وابن إنسان وأنّ كلّ سلالته فناة كالبذرة الأصليّة. 11- لا
داعي لوجود تلك
الآلهة، وإن
رقّي أولئك الأفراد
إلى مصافّ الآلهة
فثمّة من هو أحقّ
منهم بذلك وبما أنّكم،
بالمثل، لعجزكم
عن نفي كونهم
بشرا، ذهبتم
إلى القول بأنّهم
صاروا آلهة بعد
موتهم، سنتناول
حججكم القاضية
بذلك. لابدّ لكم
بدءا أن تسلّموا
بوجود إله أعلى
ومانح للألوهيّة،
جعل من أناس آلهة
في الماضي؛ فما
أمكنهم احتياز
الرّبوبيّة
الّتي لم يكونوا
يملكونها بمحض
قدراتهم ولا
أمكن غيرهم إسنادها
إليهم وهم أخلاء
منها إن لم يكن
بدوره يملكها
على الوجه الأكمل.
وإلاّ، إن لم
يكن هناك من يحيل
البشر آلهة،
فمن لغو الحديث
افتراض تحوّلهم
إلى آلهة وقد
استبعدتم الصّانع:
إذ من البيّن
أنّهم، لو كانوا
يستطيعون التّحوّل
من تلقاء أنفسهم
لما كانوا بشرا
قطّ وهم يمتلكون
القدرة على المصير
إلى وضع أفضل.
إن افترضنا إذن
وجود من يصنع
الآلهة، فلأهتمّ
بفحص علل صنع
آلهة من البشر،
ولا أجد لذلك
مبرّرا إلاّ
إن كان ذلك الإله
الأعظم يبتغي
له أعوانا ومساعدين
على مهامّه الرّبّانيّة؛
أوّلا لا يليق
بمقامه أن يحتاج
إلى معونة آخر وفان فوق ذلك،
بينما كان أجدر
به منذ البدء،
وهو يعلم رغبته
اللاّحقة في
عون فان، أن يصنع
للغرض إلها بالأحرى.
على أنّي لا أرى
للعون مجالا:
فبيّن أنّ كيان
هذا العالم كلّه،
سواء كان قديما
على رأي فيثاغور*
أو محدثا على
رأي أفلاطون*،
قد رُتّب منذ
البدء بتدبير
حكيم على نحو
بديع من التّنسيق
والنّظام والاتّساق؛
ولا يمكن أن يكون
ناقصا من أنشأ
كلّ الكائنات
على ذاك النّحو
من الكمال. وما
كان لينتظر ساترنوس*
ونسله؛ فما أفسل
البشر إن لم يعتقدوا
جازمين أنّ هذا
الكون شهد منذ
منشئه انثيال
الأمطار من السّماء،
وتلألؤ الأنجم
وسطوع الأنوار
وهزيم الرّعود؛
وأنّ يوبتر* نفسه
الّذي تضعون
في يده مجنّ البروق
كان يقفقف منها
جزعا؛ وأنّ خروج
الثّمرات من
تحت الثّرى تمّ
قبل ليبر* وكيريس*
ومينرفة* بل قبل
نشأة أوّل إنسان،
فما كان لشيء
ممّا دبّر لتأمين
معاش الإنسان
وحفظ بقائه أن
يُجلب بعدما
عمر الإنسان
الأرض. يقولون
أخيرا إنّهم
اكتشفوا حواليهم
مستلزمات الحياة
ولم ينشئوها؛
لكنّ ما يُكتشف
وُجد من قبل،
ومن ثمّة لا يعزى
لمكتشفه بل لصانعه،
فقد وُجد قبل
اكتشافه. وإن
استحقّ ليبر*
الألوهيّة لتعليمه
النّاس غراسة
الكروم فما إخالكم
أنصفتم لوكلّوس*
أوّل من جلب الكرز
من بلاد الجسر*
إلى إيطالية،
ولم يكرَّس مثله،
كموجد ثمرة جديدة
لكونه أوّل من
دلّ النّاس عليه.
وعليه، إن وُجد
الكون منذ مبتداه
متّسقا ومجهّزا
بشتّى الأسباب
الّتي تتيح أداء
وظائفه، فلا
داعي من هذه النّاحية
لإلحاق الإنسانيّة
بمصافّ الرّبوبيّة،
فقد وُجدت من
الأصل تلك القدرات
والوظائف الّتي
وزّعتموها على
آلهتكم، وكانت
ستوجد حتما حتّى
لو لم تبتدعوهم.
لكنّكم تلجؤون
إلى حجّة أخرى،
رادّين بأنّ
منح الألوهيّة
كان من قبيل مكافأة
الاستحقاق؛
تقرّون ضمنيّا
إذن كما أرى،
بأنّ ذلك الإله
مانح الألوهيّة
يفوق عدلا كلّ
من عداه، هو الّذي
يوزّع مكافآت
بهذا القدر بلا
اعتباط ولا إسراف
ولا لغير أهلها.
أريد إذن أن تعرضوا،
إن وُجدت، تلك
المآثر الّتي
رفعت أصحابها
إلى علياء السّماء
بدلا من غمسهم
في غيابة التّرتار*
الّذي تزعمونه
على هواكم المعتقل
المعدّ لعقاب
العالم السّفليّ*.
فهناك اعتدتم
نقع عاقّي الآباء
والزّناة بالأخوات
والزّناة بالمحصنات
وسباة الفتيات
ومفسدي الغلمان
والعتاة والقتلة
واللّصوص والمكرة
وكلّ من يشبهون
أحد آلهتكم،
إذ لا يمكنكم
إثبات تنزّه
أيّ منهم عن الجريمة
أو الرّذيلة
إلاّ إن نفيتم
أنّه إنسان. لكنّكم
لا تستطيعون
نفي أنّهم كانوا
بشرا فتلك صفات
إضافيّة تمنع
الاعتقاد بتحوّلهم
لاحقا إلى آلهة؛
إن كنتم تحرصون
على معاقبة تلك
الفعال وكان
كلّ شخص نزيه
بينكم يرفض معاملة
أو محادثة أو
مخالطة الأشرار
والفجّار، بينما
شرّك ذلك الإله
في جلال ربوبيّته
أمثالهم، فلِم
تُدينون من تعبدون
نظراءهم؟ إنّ
عدالتكم لوصمة
في وجه السّماء:
ألّهوا إذن أشراركم
لتُرضوا آلهتكم
فتكريس أمثالهم
شرف لهم. لكن لأتغاضى
عن مخازيهم،
سأسلّم بأنّهم
كانوا أمناء
ونزهاء وصالحين؛
كم تركتم والحال
تلك في غياهب
العالم السّفليّ*
من رجال يفوقونهم
فضلا؟ أناسا
في حكمة سقراط*
أو عدل أرستيدس*
أو حنكة ثيمستوكل*
أو همّة الإسكندر*
أو حظّ بولقراط*
أو في غنى كرويسوس*
أو بلاغة ديمسثينس*؟
مَن مِن آلهتكم
أكثر حكمة ورصانة
من كاتون* أو أعدل
وأشدّ للحرب
مراسا من شبيون*؟
من هو أعلى همّة
من بُمبيوس* أو
أسعد حظّا من
سولاّ* أو أوسع
ثراء من كراسّوس*
أو أفصح لسانا
من تولّيوس*؟
ما كان أحرى بربّكم
ذاك التّريّث
ليتّخذ من هؤلاء
آلهة، هو العالم
منذ النّشأة
الأولى بالأفضلين
أعمالا! لقد تعجّل
في اعتقادي في
إغلاق بوّابة
السّماء، ولا
شكّ أنّه اليوم
يخجل إذ يسمع
وشوشات أناس
أفضل منهم في
سدف العالم السّفليّ*.
12-
أوثان لا تنفع
ولا تضرّ أدع
هذا الآن، لعلمي
بأنّي لمّا أعرض
ما هم سأكون بنفس
الاستدلال قد
بيّنت ما ليسوا
هم؛ بشأن آلهتكم
لا أرى ولا أسمع
غير أسماء وقصص
أناس بادوا منذ
دهور، وأتبيّن
طقوسا قائمة
على أساطير. أمّا
بشأن النّصب
فلا أجد فيها
سوى موادّ هي
أخت الّتي تصنع
منها الأواني
والأدوات العاديّة،
أو هي من تلك الأواني
كما لو بدّل تكريسها
للعبادة مصائرها
وشكّلتها صوراً
يد الفنّ بنحو
مستهتر وأثيم في عملها
هذا، إلى درجة
أنّا نحن المعذَّبين
بسبب هذه الآلهة
بالذّات نجد
عزاء عن تعذيبكم
لنا في كونها
هي الأخرى عانت
أثناء تشكيلها
عذابا مماثلا.
تعلّقون النّصارى
على الأعمدة
والصّلبان،
فأيّ صنم لم يشكَّل
من طينته أوّلا
على ركيزة بشكل
عمود أو صليب؟
كما ترون، يكرَّس
جسد إلهكم أوّلا
على عمود الصّلب.
وإن كنتم تمزّقون
بأظافركم* جنوب
النّصارى مُزعا،
فإنّكم تُعملون
في سائر أعضاء
آلهتكم، وبعنف
أشدّ، الفؤوس
والأزاميل،
والمساحيج والمصاقل
والمكاشط؛ نحن
نضع على النّطع
رؤوسنا، أمّا
آلهتكم فبلا
رؤوس أصلا، قبل
أن تضعوا لها
الرّصاص والملاط
والدّسر. تُلقون
بنا إلى السّباع؛
لكنّكم تلصقونها
بليبر* وقُبيلة*
وكيلستيس*. تحرقوننا
بالنّار، وكذلك
تُعملونها فيها
وهي مادّة خامّ
لم تشكّل؛ تحكمون
بحبسنا في المناجم،
ومن باطنها تتّخذون
آلهتكم؛ تنفوننا
في الجزر، وكم
من إله ممّن تعبدون
ولد أو مات في
جزيرة؛ فإن كانت
الألوهيّة تتمثّل
في هاته المواصفات،
فإنّ من تعاقبون
ليُكرّسون آلهة،
ويجب أن يعدّ
تعذيبهم تأليها.
لكنّ آلهتكم
عديمة الإحساس
كلّيّا بالإهانات
والأنكال المقترنة
بصنعها كمالا
تحسّ عباداتكم؛
يا للأقوال الكفورة
ويا للسّخريات
الأثيمة! فلتصرّوا
بأسنانكم ولترعدوا
وتزبدوا! فأنتم
أنفسكم تستحسنون
رجلا كسينيكا*
تحدّث عن عقائدكم
الفاسدة بنحو
أوفى وألذع. لذا
إن ندعْ عبادة
أصنامكم وأوثانكم
الهامدة الباردة
كأصحابها الأموات*،
واّلتي تعشّش
في جنباتها العقاعق
والفئران والعناكب،
أما كان العدول
عن الخطإ بعد
معرفته عملا
يستحقّ الثّناء
بدل العقاب؟
ثمّ أيمكن أن
يبدو لأحد كأنّا
نهين أشياء نجزم
بألاّ وجود لها؟
فما لا يوجد لا
يألم من أحد لأنّه
عدم. 13-
تساهل الرّومان
في إسناد الألوهة.
ذمّ الآلهة الوثنيّة قد
تقولون: "لكنّهم
عندنا آلهة"؛
فكيف إذن يُنظر
إليكم بالعكس
ككفرة خطأة فجرة
تجاه تلك الآلهة؟
تؤمنون بوجودها
وتهملونها،
ترهبونها وتدمّرونها،
تثأرون لها وتهزّئونها.
تبيّنوا إن كنت
أكذب: أوّلا يعبد
كلّ منكم آلهة
مختلفة ومن ثمّ
تهينون الّتي
لا تعبدون: لا
يمكن اختيار
أحدها دون إغاظة
الآخر فلا انتقاء
بلا استبعاد.
أنتم إذن تزدرون
الّتي تنبذون
والّتي لا تخشون
إغاظتها بإعراضكم
عنها؛ ولا غرو،
فكما ألمعنا
أعلاه، كانت
وضعيّة كلّ إله
تتوقّف على فتوى
مجلس الشّيوخ*
فيه. وما كان ليعَدّ
إلها من رفضه
الإنسان إذ أبدى
فيه رأيه، وبرفضه
حكم عليه بالعدم.
وعلى آلهتكم
البيتيّة* الّتي
تدعونها لارات*
تمارسون سلطتكم
كأرباب البيت،
فترهنونها أو
تبيعونها أو
تعيدون تشكيلها
إلى شتّى الأواني:
محيلين ساترنوس*
تارة إلى قدر،
ومينرفة* طورا
إلى كبشة، كلّما
تآكل أو انكسر
أيّ منها بطول
تعبّدكم إليه،
أو أحسّ أنّ الحاجة
المنزليّة ربّ
أقدس. كذلك تهينون
آلهتكم العامّة،
وفق قوانين الحقّ
العامّ، فتضعونها
في المزاد كرعيّة
خاضعة للجزية.
تقصدون الكابتول*
كما تقصدون سوق
الخضار: ومع نفس
صيحة الدّلاّل،
ونفس تراتيب
المزاد، ونفس
إجراءات التّقييد
في سجلاّت المراقب*،
تقتادون إلهكم
المعدّ للبيع.
لكنّ الحقول
المثقلة بالخراج
أبخس، ورؤوس
البشر الخاضعة
للجزية أقلّ
قيمة عند تعداد
السّكّان، فتلك
الجبايات وصمات
الأسر، أمّا
آلهتكم فكلّما
ارتفعت الضّريبة
عليها زادت قداستها،
بل كلّما زادت
قداستها زادت
ضريبتها. هكذا
تردّ القداسة
إلى مسألة ماليّة
بحتة؛ ويلفّ
الدّين بالحانات
مستجديا؛ كذلك
تطلبون ثمنا
لوطء أرض المعبد
والدّخول إلى
الأقداس؛ لا
سبيل لمعرفة
الآلهة مجانا،
فلها ثمن ككلّ
ما يباع ويشترى.
أيّ شيء تفعلون
لتكريمها لا
تصنعون لموتاكم
مثله؟ مزارات
متماثلة ومذابح
متماثلة؛ نفس
المقام ونفس
البيانات المنقوشة
على شواهد. للإله
مثل ما للميّت:
عمر وحرفة وشغل؛
فيم يختلف العشاء
المعدّ ليوبتر*
عن عشاء الموتى؟
والكوب الّذي
تقدَّم فيه النّخب
لآلهتكم عن ذاك
المعدّ لشرب
الموتى؟ أو سدنة
الآلهة عن دفّان
الموتى؟ فالسّادن
يقدّم للموتى
أيضا خدماته.
لكنّكم مصيبون
في إضفائكم أمجاد
الألوهيّة على
الأباطرة الأموات
بعد تعظيمهم
أحياء، فلا شكّ
أنّ آلهتكم يرضون
ذلك منكم، بل
سيشكرونكم عليه،
لأنّكم جعلتم
أسيادهم نظراءهم.
بل حين تعبدون
في شخص لارنتية*
بغيّا تبيع للعموم
مفاتنها، ولو
كانت على الأقلّ
لاييس* أو فرينة*
بين معبوداتكنّ
من قبيل يونون*
وكيريس* وديانة*،
ولمّا تكرّسون
سمعان السّاحر*
إلها وتنحتون
له تمثالا تكتبون
عليه لقب الإله
القدّوس، لمّا
تجعلون أحد مماليك
القصر الامبراطوريّ*
ربّا له مكانه
في مجمع الآلهة،
ستنظر آلهتكم
الأقدم عهدا،
وإن لم تكن الأشرف
معدنا، إلى ذلك
كإهانة منكم،
لمنحكم آخرين
ما منحهم وحدهم
القِدم. 14-
الرّومان أنفسهم
يروون مثالبها لا
أريد هنا استعراض
طقوسكم، ولا
أذكر بأيّة عقليّة
تقدّمون القرابين
لآلهتكم، لمّا
تنتقون للتّضحية
المتردّية والجرباء،
ولمّا تقتطعون
من الزّكيّ السّمينِ
الغثَّ، والرّؤوس
والأظلاف الّتي
تخصّصونها في
بيوتكم للعبيد
والكلاب، وعند
إعطاء العشر
المفروض لهرقل*
لا تضعون منه
الثّلث على مائدة
النّذور؛ بل
أشيد بحكمتكم
في إنقاذكم من
التّلف بعض مالكم.
لكن إن أوجّه
نظري إلى مدوّناتكم
حيث تتعلّمون
الحكمة والصّنائع
الشّريفة، فماذا
بهنّ من المضحكات!
أجد الآلهة مجتمعين
يختصمون مثل
أزواج من المصارعين
بسبب الطّرواديّين
والآخيّين،
وفينوس* كليمة
بسهم بشريّ لأنّها
أرادت انتشال
ابنها أيناس*
بعدما كاد ديوميدس*
يقتله*. ومارس*
كاد يهلك من حبسه
في القيود ثلاثة
عشر شهرا* ويوبتر*
ينجو بفضل وحش
من التّعرّض
لعنف مماثل من
بقيّة آلهة السّماء*
ويبكي تارة مصير
سربيدون* ويتذلّل
طورا لأخته بنحو
مخز ويذكر أنّه
لم يحبّ مثلها
عشيقاته السّابقات*.
هل وُجد مذّاك
شاعر لم يعمد
مقتفيا آثار
أميرهم* إلى وصم
الآلهة بكلّ
مخزية؟ هذا يحكم
على أبولّون*
برعي قطعان الملك
أدْمِتوس*، وذاك
يؤجّر أعمال
نبتون* كبنّاء
للملك لاوميدون*.
بل من الشّعراء،
وبنداروس* أعني،
من أنشد بأنّ
أسكولابيوس*
حُكم عليه بصعقة
جزاء رغبته المشطّة في ممارسة
الطّبّ بنحو
ضارّ*. فيا ليوبتر*
من شرّير إن كان
البرق خاضعا
لسلطانه، وما
أقلّ برّه بحفيده،
وما أشرسه مع
حكيمنا. ما كان
لأخبار كهذه
أن تروى إن كانت
صادقة ولا أن
تفترى إن كانت
باطلة عند أناس
ديّنين؛ لم يعف
شعراء المأساة
والملهاة الآلهة
من مثلبة، فما
من مكروه ولا
خطإ ببيت أحد
إلاّ ويجعلونه
من صنع أحد الآلهة.
لا أتكلّم عن
الفلاسفة، وأقتصر
على سقراط* الّذي
كان يقسم بالحوْر
والتّيس والكلب
نكاية بالآلهة!
لكنّ سقراط* أدين
لتسفيهه الآلهة؛
ولعمري إنّ الحقيقة
مبغوضة بالأمس
كما هي اليوم
وفي كلّ زمان.
لكنّ الأثينيّين
ندموا على حكمهم
لاحقا وأدانوا
أعداء سقراط*
وأقاموا له نصبا
من الذّهب في
المعبد وردّوا
لسقراط* اعتباره
بنقض عقوبته.
ديوجين* أيضا
قال في هرقل* كلاما
ساخرا لا أذكره،
بينما جلب الكلبيّ*
الرّومانيّ
ورّون* ثلاثمئة
يوبترا* بدون
رؤوس. 15-
تنديد بقبائحها
وبالألعاب الوحشيّة
الّتي ينظّمها
الرّومان على
شرفهم بل
تفنّنت أذهان
آخرين في ذمّ
الآلهة قصد إمتاعكم؛
انظروا إلى مُلح
كتّاب كلنتولوس*
وهستيليوس* اللّذين
يضحكانكم بتمثيليّاتهما
الهزليّة المصوغة
في قالب حيل ومواقف
مثيرة لا أدري
أعلى المهرّجين
أم على آلهتكم،
عارضين أنوبيس*
بمظهر الزّاني،
والقمر* بمظهر
الذّكور، وديانة*
تُجلد، ووصيّة
يوبتر* بعد موته
تُلقى على مسامعكم
بنحو مثير وثلاثة
هراقل* عُجف نحّل
مضحكين. لكن حتّى
هذا الأدب التّهريجيّ
السّاخر ينعت
بنحو ما قبائحهم.
هذا إله الشّمس*
يبكي ولده الواقع
من أعالي السّماء
وسط ضحككم، وتلك
قُبيلة* تتّقد
شهوة على راع
لا يبالي بهواها
دون أن تردعكم
مسكة من حياء،
وتستمعون بدون
اعتراض إلى المهرّجين
ينشدون بنود
وصيّة يوبتر*
قبل موته وإلى
راع* يحكم بين
يونون* وفينوس*
ومينرفة*. بل لمّا
تضع صورة إلهكم
رأسا بشعة ويمثّل
جسم دنس أعدّه
التّخنّث* لهذا
الفنّ مينرفة*
أو هرقل*، ألا
تستباح حرمة
الألوهيّة وتدنَّس
قداستها وسط
هتافاتكم؟ قد
تكونون أكثر
تُقًى على مدرّجات
حلبة الصّراع
حيث يرقص آلهتكم
فوق الدّم البشريّ
وفوق النّفايات
المتبقّية من
تنفيذ العقوبات
مقدّمين للمجرمين
مواضيع وحكايا،
إن لم يتقمّص
مجرمون غالبا
آلهتكم أنفسهم.
رأينا مرّة مشهد
خصي أتّيس*، إلهكم
البسّيننتيّ*،
وشخصا يُحرق
حيّا في دور هرقل*؛
وبين عروض الظّهر
الوحشيّة ضحكنا
على مركوريوس*
يتفحّص بميسمه
الموتى، ورأينا
أخ يوبتر* يسحب
جثث المصارعين
بمطرقته*. من له
باستقصاء كلّ
هذه العروض بالتّفصيل
لهذا الغرض؟
إن كانت تستهين
بحرمة الألوهة
وتمرّغ رفعتها
فهي تعَدّ لا
شكّ ازدراء للآلهة
سواء عند من يقومون
بها أو من لإمتاعهم
يفعلون. لكن لتكن
هذه مجرّد عروض
للتّسلية؛ إن
أضفتُ إلى ذلك
ما تعترف به تماما
ضمائر الجميع،
أنّه داخل المعابد
يدبَّر الزّنا،
وبين المذابح
تُعقد صفقات
البغاء، وفي
محاريب السّدنة
والكهنة، بين
البخور المتضوّع
وتحت البيارق
والأكاليل وحلل
الأرجوان، تُشبع
الشّهوة*، فلا
أدري أمنكم أكثر
أم من النّصارى
تشكو آلهتكم؛
ومن بينكم أيضا
يُقبَض دوما
على ناهبي المعابد
لا شكّ. فالنّصارى
لا يعرفون معابدكم
طول النّهار،
وقد يسرقون منها
لو كانوا يعبدونها
هم أيضا. ماذا
يعبد إذن من لا
يعبدون تلك الآلهة؟
لقد بان أنّ من
لا يعبدون الباطل
يعبدون الحقّ
وأنّهم لم يعودوا
في الخطإ أولئك
الّذين تخلّوا
عنه بعدما عرفوه؛
فافهوا هذا أوّلا
واستخبروا عن
مجموع تعاليم ديننا،
لكن لندحض قبل
ذلك كلّ الأفكار
الغالطة حوله.
16-
ردّ على الرّسوم
السّاخرة الّتي
تستهدف المسيح ذلك
أنّكم كالبعض
توهّمتم إلهنا
رأس حمار؛ أدخل
في الأذهان تلك
الظّنّة كرنليوس
تاكيتوس*. في الكتاب
الخامس من تاريخه
استهلّ سرده
لحرب اليهود
بالحديث عن أصل
هذا الشّعب،
وفي تحليله لأصله
واسمه ودينه
يذكر أنّ اليهود
خرجوا من مصر
أو، حسب رأيه،
أُطردوا منها
إلى مجاهل صحراء
بلاد العرب المعطشة،
ولمّا أرهقهم
الظّمأ أثناء
رحلتهم رأوا
صدفة حمرا وحشيّة
فكّروا أنّها
بعد المرعى ستطلب
المشرب فاهتدوا
بها إلى نبع أخذوا
منه حاجتهم،
فألّهوا رأس
دابّة* شبيهة
من باب الاعتراف
بالجميل. من ثمّ
افتُرض في اعتقادي
أنّا لقربنا
من الدّين اليهوديّ
نعبد نفس الصّورة؛
لكنّ كرنليوس
تاكيتوس* وإن
كان أكبر مهذار
بين الكذّابين*،
يفيد في نفس تاريخه
المذكور، بأنّ
غنَيوس بُمبيوس*
لمّا فتح أورشليم
وزار الهيكل
للاطّلاع على
أسرار الدّيانة
اليهوديّة لم
يجد هناك أيّ
تمثال. وواضح
أنّ المعبود،
إن كان يمثّل
بصورة ما، لا
مكان أفضل لعرضه
من
معبده، سيما أنّه
لم
يكن يُخشى عليه، مع سخف عبادته،
من شهود أجانب،
إذ كان يُسمح
بالدّخول إليه
للأحبار فقط،
بينما يمنع الآخرين
ستار مسدل من
رؤية ما بداخله.
أمّا أنتم فلن
تنكروا أنّكم
تعبدون كلّ أنواع
الدّوابّ وخيلا
بأكملها مع إلهتها
إيبونة*، فربّما
عيب علينا اقتصارنا
بين عبدة كلّ
البهائم، مستأنَسها
ووحشيّها، على
الحمير. كذلك
من يحسبنا عبدة
الصّليب هو معنا
في تلك العبادة
سواء: لمّا تعظَّم
قطعة من الخشب
يُنظر إلى شكلها
وإن كانت من نفس
المادّة فالعبرة
بالصّورة إذ
هي تجسّد الرّبّ
ذاته؛ وماذا
يميّز حقّا عن
خشبة صليب فينوس
الأتّيكيّة*
وكيريس* الفاروسيّة*
المعروضتين
بدون صورة وتدا
خشنا وخشبة لامشكّلة.
كلّ قطعة خشب
مثبّتة في الوضع
القائم بمثابة
صليب؛ نحن، إن
صحّ أنّا نعبد
صورة، نعبد إلها
كاملا غير مبتور.
وقد قلنا إنّ
أصل آلهتكم مشتقّ
بالتّشكيل من
الصّليب. د أنّكم
تعبدون كذلك
آلهات النّصر*
في نُصُب الانتصارات
والصّليب في
جوف تلك النّصب.
يُجلّ دين الرّومان
كلّ الشّارات
الحربيّة، ويقسم
بالشّارات بل
يقدّمها على
كلّ الآلهة. كلّ
المنصّات الّتي
تقام عليها التّماثيل
في تلك الشّارات
زخارف للصّلبان؛
وأستار تلك البيارق
والبنود أردية
للصّلبان؛ أثني
على كياستكم
إذ لم ترضوا بتمجيد
صلبان عارية
جرداء من كلّ
تزويق. في نمط
من التّفكير
أقرب لا شكّ إلى
الإنسانيّة
وأكثر احتمالا،
يحسب آخرون إلهنا
الشّمس؛ إن يعدّونا
ربّما من قبيل
الفرس، فإنّا
لا نعبد شمسا
مرسومة على قطعة
من الكتّان،
فهي ذاتها ماثلة
أمامنا في قبّتها.
نشأ هذا الظّنّ
على الأرجح من
كوننا نولّي
وجوهنا قِبل
المشرق للصّلاة؛
لكنّ جلّكم أنتم
أيضا يتوجّهون
أحيانا، بدعوى
عبادة آلهة السّماء،
قِبل المشرق
محرّكين شفاههم.
كذلك، إن كنّا
نخصّص يوم الشّمس*
للبهجة فإنّما
نفعل ذلك لسبب
بعيد تماما عن
عبادة الشّمس
فنحن في واد وهم
في واد، أولئك
الّذين يخصّصون
يوم ساترنوس*
للقصف، خلافا
لعادة اليهود
الّتي يجهلونها.
لكنّ خبرا عن
إلهنا ذاع مؤخّرا
في هذه المدينة،
فحواه أنّ مجرما
مأجورا للتّخلّص
من البهائم# عرض
رسما كتب عليه:
"إله النّصارى
من جنس حمار"*.
كانت له أذنا
حمار، وتحمل
إحدى رجليه حافرا،
ويمسك كتابا
ويرتدي بردة؛
فضحكنا من التّسمية
والصّورة. لكن
كان يحرو أن يعبد
هذا الإلهَ المزدوجَ أولئك
الّذين قبلوا
بأرباب دُمج
في رأسها الكلب
بالأسد، وفي
قرونها التّيس
بالكبش، تيوس
بالجذوع وثعابين
بالأرجل، مجنّحة
الأقدام والظّهور.
ناقشنا آنفا
هذه الأمور بإسهاب
كيلا ندع شائعة
عنّا تمرّ بعلمنا
دون الرّدّ عليها؛
وها نحن نتّجه
حاضرا إلى عرض
ديننا الحقّ
فنبرّئ أنفسنا
تماما من كلّ
الفرى. 17-
حقيقة إله النّصارى ربّنا
إله واحد نحن
له عابدون، هو
من أنشأ بكلمته
ودبّر بعنايته
وقدّر بقدرته
هذا الكون الرّحب
بكلّ ما يحوي
من عناصر وكائنات
جسمانيّة وروحانيّة،
وأبدعه من العدم
ليكون حلية لجلاله،
لذا أطلق اليونان
على العالم اسم
"كوسموس"*. لا
تدركه الأبصار
وإن تبدّى لها،
ولا تبلغه الأفهام
وإن تجلّى لها
من
خلال
نعمته، ولا تطاله
العقول وإن بان
جلاله لألباب
البشر: فهو الحقّ
سبحانه؛ وإنّ
ما يمكن أن يُرى
ويُلمس ويُعقل
هو دون الأعين
الّتي تلتقطه
والأيدي الّتي
تلمسه والأذهان
الّتي تتمثّله؛
أمّا ما هو لامتناه
فلا يُدرَك إلاّ
بذاته. ما يجعل
الله قابلا للإدراك
هو أنّه ممتنع
عن الإدراك؛
هكذا تجلّيه
قدرته العظيمة
للبشر فهو لهم
معلوم ومجهول
معا؛ وهذا أسوأ
جرم لأولئك الّذين
يرفضون الإقرار
بما لا يستطيعون
جهله. أفتريدون
أن نبيّنه لكم
وهو جليّ في كلّ
أعماله وآلائه
الّتي تتعهّدنا
وتحفظ بقاءنا
وتسلّينا وحتّى
تلك الّتي تملؤنا
رهبة بل وبشهادة
النّفس الّتي
فينا؟ فمع احتجازها
في سجن البدن
وحصرها بتقاليد
فاسدة، وإنهاكها
باللّذّات والشّهوات،
وإخضاعها لسلطان
آلهة زائفة،
لمّا تستفيق
أخيرا من غشيتها
كمن سكر أو نوم
أو سقم ما وتستعيد
بشيء من العسر
صحّتها*، تسمّي
الله باسمه المجرّد
وحده، لأنّه
اسمه الأوحد
الحقّ الّذي
يناسبه. "الله
العظيم"، "الله
الودود"، "الله الكريم": بهذا
يلهج كلّ لسان
ويستشهده ويفوّض
له أمره: "الله
يرى"، "على الله
متّكلي"، "على
الله عوضي"؛
فأيّة شهادة
من النّفس المجبولة
على فطرة التّوحيد*!
لا تولّي وهي
تقول هذا نحو
الكابتول* بل
نحو السّماء؛
إذ يعلم أنّ فيها
عرش الله الحيّ،
ومنه هو، من هناك
نزلت*. 18-
مدح الكتاب المقدّس لكن
لندرك بمزيد
من الجلاء والرّسوخ
ذاتَه ومشيئته
وأحكامه، أعطانا
إضافة إلى ذلك
رسالاته ليمكن
لمن شاء أن يبحث
عنه، وإن بحث
عنه أن يجده،
وإن وجده أن يؤمن
به، وإن آمن به
أن يخدمه*. فمنذ
بداية الخليقة
بعث في العالمين
رسلا أهّلتهم
أمانتهم واستقامتهم
لمعرفة الله
وبيانه للنّاس،
وأفاض عليهم
روحه ليدْعوا
إلى إله واحد،
هو من أنشأ الأكوان
وصنع الإنسان
من صلصال، فهو
برومثيوس* الحقيقيّ،
ونظّم العالم
مقدّرا لكلّ
شيء مبتداه ومنتهاه.
وأرسل كذلك آيات
على جلاله الأمطارَ
والنّيرانَ،
وحدّد السبل
لاستحقاق رضوانه،
وعيّن جزاء من
يجهلها ومن يخالفها
ومن يستمسك بها،
حتّى يحكم في
نهاية الدّهر
فيكافئ عباده
البررة بالنّعيم
الأبديّ، ويعاقب
الكفرة بنار
أبديّة كذلك
لا يخبو لها أوار،
يوم يبعث كلّ
الموتى ويعيدهم
نشأة أخرى ويحشرهم
وازنا أعمالهم
ليعيّن لكلّ
أيّ الجزاءين
استحقّ. نحن أيضا
ضحكنا من كلّ
ذلك فيما مضى؛
فنحن منكم: النّاس
لا يولدون، بل
يصيرون، نصارى.
أولئك الّذين
سمّيناهم دعاةً
أنبياءٌ كُلّفوا
بتبليغ الرّسالة.
أقوالهم وخصالهم
الّتي كانوا
يدعون بها إلى
الإيمان بالله
محفوظة في كنوز
الكتب، لكنّها
كنوز غير مخفاة.
لذا فإنّ بطليموس
المكنيّ بفيلادلفوس*، ذلك
الملك الواسع
الاطّلاع على
كلّ مجالات الأدب،
ربّما لمنافسة
بيسستراتوس*
في جمع الكتب،
ومن جملة الآثار
الّتي استمدّت
من قِدمها أو
طرافتها شهرةً،
وبتوجيه من ديمتروس
الفاليريّ* أوثق
علماء عصره الّذي
كان قد استشاره،
طلب من عند اليهود
كتبا خاصّة بملّتهم
موجودة لديهم
وحدهم. فمنهم
دوما بُعث الأنبياء
وإليهم وجّهوا
دعوتهم، باعتبارهم
الشّعب اّلذي
اجتباه الله
بخدمته، بلا
شكّ للنّعمة
الّتي خصّ بها
آباءه*؛ كان من
ندعوهم اليوم
يهودا يسمّون
في الماضي عبرانيّين
فكانت كتبهم
وكلامهم بالعبريّة.
ولئلاّ يتعذّر
عليه فهمها قُدّم
له اثنان وسبعون
ترجمانا استنسخوا
له كتب اليهود،
أثنى الفيلسوف
منيدموس* الضّامن
لحسن التّدبّر
في هذا الباب
على اتّفاقهم
في الرّأي؛ يؤكّد
لكم ذلك أيضا
أرسطايوس*. هكذا
نقلت أقلامهم
إلى اليونانيّة
هذه الرّوائع
بعد فتح مستغلقها؛
واليوم توجد
مجموعة كتب بطليموس*
معروضة مع الصّحف
العبريّة الأصليّة
في سرابيوم*. بل
حتّى اليهود
أنفسهم يقرؤونها
هناك علنا: تلك
حرّية يتمتّعون
بها مقابل الجزية*،
يذهب كافّتهم
هناك كلّ سبت؛
من يستمعْ إليها
يجدِ الله، ومن
يجتهدْ لفهمها
تحْدُه حتما
إلى الإيمان.
19- قدم
أسفار العهد
العتيق تستمدّ
هذه الكتابات
إذن من قدمها
السّحيق مصداقيّتها؛
عندكم أنتم أيضا
شبه ما في ديننا:
إرساء المعتقد
على النّقل عبر
الأزمان. ] فالإيغال
في القدم يكفل
مرجعيّة تلك
الكتابات؛ أوّل
نبيّ موسى الّذي
استهلّ بذكر
أخبار الماضي:
تكوين العالم
وانتشار الجنس
البشريّ والطّوفان
الّذي ما لبث
أن حلّ به عقابا
لظلم أهل تلك
القرون، أبان
بنبوّته ومعجزاته
ما حدث حتّى عصره
وأحوال ما سيأتي،
فعنده عرض لتسلسل
الأحقاب منذ
البدء وإحصاء
لتاريخ البشريّة؛
ومعلوم أنّه
سبق بحوالي ثلاثمائة
سنة أقدم رجل
عندكم، وهو دانَووس*
الّذي حلّ بأرغوس*.
ويتقدّم على
حرب طروادة بألف
سنة، وهو من ثمّ
سابق حتّى على
ساترنوس* نفسه؛
فحسب تاريخ ثالّوس*
حيث يروي لنا
حرب الأشوريّين*
وصراع ساترنوس*
ملك التّيتان*
مع يوبتر*، يستفاد
أنّ الحرب سبقت
بثلاثمائة واثنتين
وعشرين سنة دمار
طروادة؛ بواسطة
موسى أيضا أرسل
الله الشّريعة
الخاصّة باليهود.
ومن بعده بعث
رسلا تترى هم
أقدم عهدا من
كتاباتكم. وآخرهم
سبق بقليل أو
عاصر على أقلّ
تقدير كتّاب
حكمتكم ومشرّعيكم
الأوائل. فقد
عاش زكريّا* في
عهد قورش* وداريوس*
وفي زمانه لم
يجد طاليس* أمير
علماء الطّبيعيّات
قولا ثابتا يجيب
به كرويسوس* حين
سأله في الرّبوبيّة،
وقد حيّرته بالتّحقيق
أقوال الأنبياء.
وقد تكهّن صولون*
لهذا الملك بالذّات
أنّ عليه ارتقاب
نهاية حياته
الطّويلة، تماما
كما يفعل الأنبياء.
ومن هنا يمكن
أن نرى أنّ تشريعاتكم
وعلومكم استقت
من الشّريعة
والتّعاليم
الإلهيّة*؛ لا
بدّ أن يكون السّابق
هو البذرة؛ لذا
لديكم بعض الأمور
المطابقة لما
لدينا أو القريبة
منه. اقتبستم
من حكمتنا فسمّيتم
حبّها فلسفة*،
ومن النّبوّة
فدعوتم التّظاهر
بها كهانة شعريّة.
هكذا كلّما وجد
رجالكم العظماء
شيئا، لينقلوه
عمدوا إلى تشويهه؛
كذلك يحدث أن
تفسد الثّمار
بعد خروجها من
بذرتها. سأتوقّف
عند قدم النّصوص
الإلهيّة من
أوجه عدّة لو
لم تكف للحمل
على الإيمان
بها سلطتها المستمدّة
من قوّة حقيقتها
أكثر ممّا هي
من مستمدّة من
عتاقتها؛ وهل
من تأييد لشهادتها
أقوى من تحقّقها
اليوميّ في العالم
أجمع، إذ يتجاوب
تتابع الدّول،
وخراب المدن،
ودمار الأمم،
وتتابع الأحقاب
مع ما أنبأت به
منذ آلاف السّنين.
فهي تنعش أملنا
الّذي يثير سخريتكم،
وتقوّي إيماننا
الّذي تدعونه
وهما؛ وإنّ صدق
السّابق ليبرّر
الإيمان باللاّحق؛
فقد تنبّأت نفس
الأصوات بكليهما،
وأشارت إلى كليهما
نفس الكتب. لأنّ
ما يبدو لنا منفصلا
بين ماض وآت زمان
واحد في عرفها؛
وهكذا فما بقي
قد ثبت لدينا
لأنّها تنبّأت
به مع أمور تحقّقت
فعلا وكانت آنذاك
غيبا. لديكم أنتم
أيضا السّيبلّة*
وإن كانت تسمية
الوحي الحقّ
من الله الحقّ
اغتُصبت لتعطى
لكلّ منتحلي النّبوّة؛
فعرّافاتكم
انتحلن الصّفة
من الحقيقة زورا
تماما مثل آلهتكم.*[ هكذا
إذن، كلّ القرائن
والموادّ، والأصول
والتّصانيف
والمصادر الّتي
اختطّتها أقدم
الأقلام عندكم،
بل والأمم العديدة
والمدن الشّهيرة
بتاريخها الحافل،
والجليلة بتراثها
المتناقل، بل
وكذلك ما في جوف
أقدم مخطوطاتكم
الشّاهدة على
أخبار الماضي،
بل أقول وبدون
مبالغة، حتّى
آلهتكم ومعابدكم
وعرّافوكم ومقدّساتكم،
كلّ ذلك يتفوّق
عليه في القدم
مصحف نبيّ واحد
يوجد محفوظا
فيه كنز الدّيانة
اليهوديّة بأكملها،
وبالتّالي ديانتنا
نحن. إن سبق أن
سمعت بموسى المشار
إليه فإنّه معاصر
إيناخوس* الأرغوسيّ*،
وسبق بحوالي
أربعمائة سنة
<
إلاّ سبعا> دانووس*
وهو لديكم أقدم
الأوّلين، وسبق
بحوالي ألف عام
هزيمة بريام*،
بل أستطيع القول
بأنّه يتقدّم
بخمسمائة سنة
إضافيّة هوميروس*،
ولديّ من أتبع
في ذلك. كذلك الأنبياء
الآخرون، وإن
تأخّروا على
موسى، فأقربهم
عهدا منّا لا
يدركه الأوائل
من بين علمائكم
ومشرّعيكم ومؤرّخيكم.
ليس عرض هذه الحقائق
الممكن إثباتها
بالتّسلسلات
التّاريخيّة
المقارنة أمرا
صعبا بقدر ما
هو ضخم، وليس
شائكا بقدر ما
هو طويل بالمقابل.
إذ يقتضي إثباته
فحص وثائق متعدّدة
والدّخول في
متاهات حسابيّة،
ولا بدّ من كشف
المستندات الّتي
خلّفتها أقدم
الأمم، المصريّين
والكلدانيّين
والفينيقيّين.
ولا بدّ من الاستشهاد
بمن أمدّنا بأخبارهم
من مواطنيهم،
كمانثون المصريّ*
وبيروصوس الكلدانيّ*
وكذلك حيرام الفينيقيّ*
ملك صور وكذلك
تابعيهم مندسيوس
البطليموسيّ*
ومينندر الأفسسيّ*
وديمتروس الفاليريّ*
والملك يوبا*
وأبيون* وثالّوس*،
ويوسفوس اليهوديّ*
العمدة في أخبار
قدامى اليهود
لانتمائه إلى
ملّتهم والّذي
يؤيّدهم أو يخالفهم.
لا بدّ كذلك من
جمع مدوّنات
اليونان والتّأريخ
للأحداث لكشف
تسلسل الوقائع
الّذي به تتّضح
تواريخ الحوليّات؛
لا بدّ والحال
تلك من التّنقّل
عبر كتب التّاريخ
والأدب لكلّ
الأمم؛ والحقّ
أنّا قدّمنا
لكم جزءا من الإثبات
لمّا عرضنا ما
يمكن بناء عليه
إثبات تلك القضايا.
لكن من الأفضل
إرجاء ذلك النّقاش
مخافة التّقصير
في الإثبات إن
تعجّلنا أو طول
الاستطراد إن
أسهبنا. 20-
ذكر الكتاب المقدّس
لأخبار الماضي
والحاضر والآتي
والآن
نقدّم مقابل
ذلك الإرجاء
شيئا إضافيّا
جلال كتبنا إن
لم نثبت مصدرها
الرّبّانيّ
من عتاقتها وإن
كان قدمها محلّ
شكّ لديكم. ولا
حاجة إلى البحث
طويلا أو في مكان
آخر؛ فما تعلّمه
ماثل أمامنا،
< هذا الكون وما
على الإنسان
أن يعلم>؛ ما
تعلّمنا ماثل
للعيان: العالم
والأحداث ومجريات
الأحوال. كلّ
ما يحدث أخبرت
به مسبقا؛ كلّ
ما يرى عُلم من
قبل بالسّماع:
ابتلاع الأراضي
للمدن، وازدراد
البحار للجزر،
وتمزيق الحروب
والفتن للأمم،
وصراع الدّول
مع الدّول، ودمار
البلدان بالمجاعات
والأوبئة وشتّى
أنواع الكوارث
وتزايد الوفيّات،
وتغيّر الأحوال
فيسفل أعلاها
ويعلو الأسافل،
وتناقص العدل
وتزايد الجور،
وفتور الاهتمام
بالتّقاليد
الحميدة، وتحوّل
الفصول والعناصر
عن أداء مهامّها،
واضطراب نظام
الطّبيعة بعجائب
وخوارق، كلّ
تلك البلايا
مدوّنة مقدّما؛ بينما
نعاني من ويلاتها
يمكننا أن نقرأها
وبينما نطّلع
عليها تتحقّق
بالتّجربة أمام
أعيننا؛ وصدق
النّبوّة هو
في اعتقادي الشّهادة
المثلى على مصدرها
الإلهيّ. لذا
عندنا كذلك إيمان
راسخ بالأحداث
الآتية كأمور
أُثبتت بلا مجال
للشّكّ، فقد
تمّ التّنبّؤ
بها مع الّتي
نعيشها يوميّا؛
ذكرتها نفس النّبوءات
وسجّلتها نفس
الكتب، وألهمها
نفس الرّوح: الزّمن
واحد بالنّسبة
للنّبوّة إذ
تستشرف المستقبل.
أمّا عند النّاس
فيميَّز في مجرى
الزّمان بين
آت وحاضر، ويفرَّق
من ثمّة بين حاضر
وماض. ففيم نخطئ
أسألكم، في الإيمان
كذلك بالآتي
وقد تعلّمنا
الإيمان بالطّورين
الآخرين؟ 21-
توضيح فكرة ألوهيّة
المسيح لكن
بما أنّا أشرنا
إلى أنّ ملّتنا
تدعمها أقدم
نصوص اليهود
وإن كانت حديثة
نوعا ما إذ تعود
إلى زمان تيبريوس*،
كما يعلم الكثيرون
ونقرّ نحن أيضا،
فربّما يودّ
البعض الخوض
بهذا الصّدد
في وضعيّتها
زاعما أنّها
تتستّر تحت مظلّة
هذا الدّين العظيم
والمرخّص بلا
شكّ، لتخفي شيئا
ممّا يُشتبه
بها بنحو مشروع.
سيما ونحن فضلا
عن العمر لا نتّفق
مع اليهود في
تحريم الطّعام،
ولا اختيار الأيّام
المقدّسة، ولا
السّمات المميّزة
على الجسم ولا
اسم مشترك كما
يفترض بالتّحقيق إن كنّا
نعبد
نفس الإله. لكن بات
اليوم معلوما
حتّى للعامّة
أنّ المسيح شخص
حكم اليهود بصلبه
فيبدو بسهولة
لبعض أنّا
نعبد بشرا؛ لكنّا
لا نخجل بالمسيح
بل يسرّنا أن
نُعدّ من أتباعه
ونُفتن باسمه
ولا يخالف إيماننا
بالله إيمانهم؛
لذا أرى عليّ
أن أتحدّث بإيجاز
عن ألوهة المسيح.
في زمان بعيد
كانت لليهود
حظوة عند الله،
أيّام استقامة
وتقوى آبائهم
الأوّلين: لذا
ازدهروا كشعب
كبير وأوتوا
ملكا عظيما ونعمة
واسعة، حتّى
أنّ الله كلّمهم
وربّاهم بوحيه
وأمرهم بالعمل
على نيل مرضاته
وحذّرهم من ارتكاب
ما يغضبه. لكنّ
الزّهو بكرامة
آبائهم دفعهم
إلى الغيّ وحادوا
عن سواء السّبيل
إلى مسلك الكفر؛
حتّى إن لم يقرّوا
هم أنفسهم بذلك
فدمارهم الحاضر
يثبته؛ فهم اليوم
شتات مفرّقون
يضربون في الأرض
تائهين منفيّين
عن أرضهم وسمائهم
بدون ملك إنسانيّ
أو ربّانيّ،
ولا يُسمح لهم
حتّى بوطء أرض
آبائهم لزيارةٍ
كما يحقّ لأجانب.
لمّا كان أولئك
النّذر يعظونهم،
كانوا يردّدون
عليهم باستمرار
نفس النّبوءة:
أنّ الله مجتبٍ
في آخر الدّهر
من كلّ أمّة وكلّ
شعب وكلّ بلاد
عبادا أتقى وأوفى
بعهده، فمحوّل
إليهم نعمة أوفى
لاستعدادهم
لدين أكمل.
لذا أتى من بشّر
الله من قبل بمقدمه
لإصلاح ديانتهم
وإنارتها، المسيح
ابن الله؛ أُعلن
عن مانح ومعلّم
هذه النّعمة
والدّيانة،
نبراس وقائد
الجنس
البشريّ، ابن
الله: لم يولد
ليخجل من اسم
الابن أو من بذرة
أب. ما كان عليه
أن يحمل خزي أب
إلهيّ أنجبه
زناً بأخته أو
ابنته أو بمحصنة
غريبة عنه، يحمل
حراشف أو قرونا
أو ريشا، أو عاشق
يتحوّل إلى شذرات
من التّبر كعاشق
دناية*: تلك صفات
بشريّة تنسبونها
ليوبتر*. أمّا
ابن الله، فليست
له أمّ مسّها
لتلده أيّ رجس؛
حتّى أمّه الظّاهريّة
لم يمسسها بشر
قبل حملها؛ لكن
سأشرح أوّلا
طبيعته، وبذلك
يُفهم سرّ ميلاده.
فسّرنا سابقا
أنّ الله ذرأ
هذا الكون كلّه
بكلمته وحكمته
وقدرته؛ عند
حكمائكم أيضا
هناك اتّفاق
على اعتبار اللّوغوس*،
أي الكلمة والعقل
مجتمعين، منشئ
الكون؛ فزينون*
يرى فيه الصّانع
الّذي خلق كلّ
الكائنات بتدبير
واتّساق؛ يسمّونه
القدر والإله
وروح يوبتر* والضّرورة
الّتي في أصل
كلّ الأشياء؛
يجمع كليانتس*
كلّ هذه الصّفات
في الرّوح الّذي
يؤكّد أنّه يتخلّل
الكون. ونحن بدورنا
نحدّد للكلمة
والعقل والقدرة
الّتي فسّرنا
أنّ الله خلق
بها كلّ الكائنات
جوهرا مناسبا
روحيّا فيه تتضمّن
الكلمة بالقول،
ويمثل العقل
بالتّدبير،
وتحكم القدرة
بالفعل*؛ ونقول
إنّه صدر ككلمة
عن الله وينشأ
منه بهذا الكلام،
فهو ابن الله،
ونقول إنّه الله
انطلاقا من الوحدة
الجوهريّة بينهما،
لأنّ الله أيضا
روح. لمّا ينبعث
الشّعاع من الشّمس،
إن هو إلاّ جزء
من الكيان الأصل؛
لكنّ الشّمس
ماثلة في الشّعاع،
لأنّ الشّعاع
من الشّمس ولا
يفرّقه عنها
الجوهر بل هو
امتداد لها،
< كذلك فيض الرّوح
عن الرّوح، والله
من الله>، كتلألؤ
النّور من النّور؛
الأصل المادّيّ
يظلّ هو هو غير
منقوص وإن اشتققت
منه بالتّشكيل
كثرة من العيّنات
لخاصّيّته الهيولانيّة.
ما انبثق من الله
هو الله أيضا
وابن الله: فهما
واحد؛ هكذا صدر
الرّوح من الرّوح
والله من الله،
هو آخر في الوضع
لا في الطّبيعة،
فهو لم ينفصل
عن أصله بل فاض
عنه*. ذاك الشّعاع
من الله، كما
بُشّر به في الماضي
باستمرار*، نزل
على عذراء فتشكّل
في رحمها جسدا،
وولد بشرا ممزوجا
بعنصر الألوهة.
ذاك الجسد الّذي
تشكّل فيه الرّوح
اغتذى وشبّ وتكلّم
ونشر تعاليمه
وأدّى العبادات
وكان المسيح؛
تلقّوا هذه القصّة،
فهي شبيهة بقصص
عندكم*، وسنبيّن
لكم كيفيّة إثبات
حقيقة المسيح
وأنّ من قدّموا
عندكم قصصا منافسة
صيغت على نفس
المنوال أرادوا
تدمير الحقيقة.
كان اليهود هم
أيضا يعلمون
بمجيء المسيح
هم الّذين تحدّث
إليهم الأنبياء،
بل ما زالوا حتّى
اليوم ينتظرون
مجيئه؛ وليس
بيننا وبينهم
خلاف أكبر من
عدم تصديقهم
بأنّه قد جاء؛
فقد أُعلن عن
جيئتين له، أولاهما،
وهي الّتي مرّت،
في ضعة الوضع
الإنسانيّ،
والثّانية وهي
وشيكة وتؤذن
بقيام السّاعة
في رفعة القدرة
المتلقّاة من
الآب وجلال الألوهيّة
المتجلّية؛
ولأنّهم لم يدركوا
الأولى، يظنّون
الثّانية الّتي
يرتجونها باعتبارها
نصّت عليها النّبوّات
بصفة أجلى وهي
محطّ أملهم،
هي الوحيدة. كان
عقاب خطيئتهم
العادل ألاّ
يفقهوا السّابقة،
ولو فقهوها لصدّقوا
ولو صدّقوا لتبعوا
الخلاص؛ وهم
أنفسهم يقرؤون
عندهم في الكتاب
أنّهم سُلبوا
العلم والفهم
والبصر والسّمع.
ولنظرهم إليه
كمجرّد إنسان
بناء على ضعة
الجانب البشريّ
فيه، اعتبروه
ساحرا لمّا رأوا
قدرته، فبكلمة
يخرج الشّياطين
ممّن بهم مسّ،
ويعيد للكمه
أبصارهم، ويبرئ
البرص ويفكّ
عقلة الكسيحين،
بل وبكلمته يحيي
الموتى، ويسخّر
لخدمته العناصر،
فيهدّئ الزّوابع
ويمشي على الماء،
مبيّنا بذلك
أنّه الابن الّذي
بشّر الله به
قبل والّذي وُلد
لخلاص الجميع،
أي كلمة الله
الّذي كان في
البدء، الّذي
هو أوّل الكائنات،
والمقترن بالقدرة
والعقل والمؤيَّد
بالرّوح. لكنّ
أكابر اليهود
وأحبارهم غيظوا
من تعاليمه الّتي
دحضت مزاعمهم،
سيما أنّ خلقا
كثيرا توجّهوا
إليه، حتّى أتوا
به في النّهاية
أمام بيلاطس
البنطيّ*، والي
سورية يومئذ
من قبل الرّومان،
وطالبوا بشدّة
حتّى حصلوا منه
على تسليمهم
إيّاه لصلبه؛
وقد تنبّأ هو
نفسه بما فعلوا؛
وما كان ذلك ليعني
الكثير لولا
أنّ أنبياء الماضي
كانوا قد أعلنوا
عنه. وحتّى وهو
معلّق على الصّليب،
أظهر عدّة آيات
خاصّة بموته؛
فبتلقاء نفسه
سلّم مع كلماته
روحه، مستبقا
عمل الجلاّد؛
في نفس اللّحظة
احتجب ضياء النّهار
والشّمسُ تتوسّط
مدارها، فظنّ
من لم يكن لهم
علم بأنّ ذاك
أيضا ممّا ذكرته
النّبوءات عن
المسيح أنّه
كسوف؛ ولعدم
فهم سببه أنكروه،
وهو مع ذلك موثّق
لديكم في سجلاّتكم*.
بعدما أنزِل
ودُفن، طوّق
اليهود قبره
بقوّة عسكريّة
ضاربين حوله
حراسة مشدّدة،
مخافة أن ينقل
حواريّوه جثمانه
خلسة ويخدعوا
الرّقباء، إذ
كان قد أعلن قيامه
من الموت في اليوم
الثّالث. لكن
في اليوم الثّالث
انخسفت الأرض
فجأة وانزاح
الحجر الّذي
كان يغلق ضريحه،
فتفرّق الحرس
مذعورين. ودون
أن يظهر أيّ من
حواريّيه، لم
يجدوا في القبر
شيئا سوى الأكفان.
مع ذلك أشاع أكابر اليهود،
الّذين كان همّهم
ترويج
دعوى عمل إجراميّ وصدّ
الشّعب
الخاضع لسلطتهم
واستغلالهم
عن الإيمان،
أنّ تلاميذه رفعوا
جثمانه؛ ذلك
أنّه لم يظهر
لعامّة النّاس، فما
كانت الغاية
أن يخلّص الكفرة من الضّلال، بل أن
يوثّق
بالمشقّة الإيمان
المعدّ لثواب
عظيم. لكنّه قضى
أربعين يوما
مع بعض حواريّيه
في الجليل، وهي
منطقة من يهوذا، يعلّمهم
ما عليهم أن يعلّموا
غيرهم؛ ثمّ بعد
سيامتهم لنشر
تعاليمه في الأرض*،
رُفع إلى السّماء
في ظلّة من الغمام،
وهي حقيقة أثبت
ممّا اعتاد روايته
أمثال بروكولوس*
عندكم عن رومولوس*.
رفع كلّ هذه الأخبار
عن المسيح بيلاطس*،
الّذي صار هو
نفسه نصرانيّا
في سريرته، إلى
تيبريوس* القيصر
آنذاك؛ لكنّ
القياصرة كانوا
حتما سيصدّقون
بالمسيح لو لم
يكن القياصرة
ضروريّين لهذا
العالم وفتنه،
أو لو أمكن أن
يكون القياصرة
نصارى أيضا. امتثل
الحواريّون
لأمر معلّمهم
الرّبّانيّ
منتشرين في الأرض،
فذاقوا كثيرا
من اضطهاد اليهود
ثمّ وحشيّة نيرون*
في رومية حيث
بذروا الدّم
النّصرانيّ
بطيب خاطر لإيمانهم
بالحقّّ. بيد
أنّا سنبيّن
لكم أنّ الّذين
تعبدون أنفسهم
أوفق شهود على
المسيح، فإنّه
لأوفى بالمقصود
أن أستشهد لحملكم
على تصديق النّصارى
من بسببهم تحديدا
لا تصدّقون النّصارى.
هذه في انتظار
ذلك خطّة
عرضنا:
نقدّم هذا التّصريح
عن ملّتنا وتسميتها
مع مؤسّسها؛
فلا يطلقْ أحد
حولنا الشّائعات
المغرضة، ولا
يظنّ بنا أحد
غير ما نقول،
إذ لا يُعقل أن
ينشر أحد أكاذيب
عن دينه؛ فبزعمه
عبادة إله غير
الّذي يعبد ينكر
الّذي يعبد ويحوّل
إلى آخر تعظيمه
وبتحويله عبادته
يكفّ عن عبادة
الّذي أنكر. نقول
علانية، ونصرخ
مدمَين ممزّقين
تحت تعذيبكم:
اللهَ نعبد بالمسيح؛
فلتعدّوه بشرا
هو من به شاء الله
أن يُعرف ويُعبد.
أقول ردّا على
اليهود، إنّهم
هم أنفسهم تعلّموا
عبادة الرّبّ
بموسى، وعلى
اليونان إنّ
أرفيوس* في بيرية*
وموساوس* في أثينة
وميلمبوس* في
أرغوس* وتروفُنيوس*
في بيوتية* ربطوا
النّاس بهم بطقوس
مسارّة، وألاحظ
كذلك لديكم أنتم
المهيمنين على
الأمم أنّ بمبليوس
نوما* الّذي أثقل
بمعتقدات فاسدة
وطقوس شاقّة
كاهل الرّومان
كان إنسانا. قد
يُفترض أنّ المسيح
هو الآخر اختلق
ألوهة، لا لترهيب
أناس جفاة متوحّشين
بكثرة من الآلهة
يلزمهم التّزلّف
إليها قصد تلطيف
طباعهم شأن نوما*،
بل لفتح عيون
أناس متحضّرين
وتحت تضليل مدنيّتهم
بالذّات، للتّعرّف
على الحقيقة*.
ابحثوا إذن إن
كانت ألوهيّة
المسيح تلك صحيحة؛
إن كانت معرفتها
< تصلح الإنسان
وتدفعه إلى الخير>*،
فلا بدّ إذّاك
من التّخلّي
عن الدّيانة
الغالطة، سيما
بعدما تبيّن
كامل نسقها الّذي
يتخفّى خلف أسماء
وصور بشر، يعمل
على زرع الإيمان
بألوهيّتهم
بتماثيل وأساطير
خارقة وعرافات. 22- الشّياطين أصل ب |